من المتوسط إلى زاغروس يعيش الشرق الأوسط على فسيفساء من القوميات والأديان والمذاهب: كرد وأمازيغ وتركمان، ومسيحيون وإيزيديون ودروز، وسنّة وشيعة يتبادلون مواقع الأكثرية والأقلية بحسب الجغرافيا والسلطة، غير أن هذه الثروة صارت، منذ نشوء الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، خطوط تماس، فقد رسمت الدولة المركزية حدودها بالمسطرة، ثم طالبت الجماعات التي قسّمتها بأن تنسى ما كانت عليه قبلها.
فشلت معظم دول المنطقة في بناء عقد مواطنة عادل، الريع ربط الثروة بالولاء، والدستور تجاهل المكوّنات أو حاصر هويّتها، والأمن خلط بين الوحدة والإنكار، فصار المطلوب من المختلف أن يذوب لا أن يشارك، ولم تكن مأساة الإيزيديين في سنجار والمسيحيين في نينوى عام 2014 حادثة معزولة، بل ثمرة دولة ترى مواطنيها جماعات مشكوكًا في ولائها لا أفرادًا متساوين.
ولم يعد الانفصال حلًا سحريًا ولا الدمج القسري طريقًا إلى الاستقرار، فجنوب السودان أنهى حربًا ولم يبنِ دولة، واستفتاء كردستان 2017 اصطدم بتوازنات إقليمية ودولية قاسية، فيما أثبتت الفيدرالية، حين تُطبَّق بصدق، أنها أقلّ الصيغ كلفة، كما في تجربة الإقليم على ما واجهته من ضغوط المركز.
والفارق بين التجارب في توقيت الاعتراف لا في الاعتراف وحده. فالمغرب أقرّ الأمازيغية لغة رسمية في دستور 2011 بقرار هادئ سبق الأزمة، فخرجت الدولة أقوى، وسوريا لم تعترف بالكردية لغة وطنية إلا هذا العام، بعد حرب ودماء، والاعتراف الذي يأتي ثمرة للهزيمة يبقى في الوعي صفقة لا قناعة، وتركيا احتاجت أربعين عامًا من الحرب وعشرات الآلاف من القتلى قبل أن يحلّ حزب العمال الكردستاني نفسه، وكان اعتراف مبكر بالهوية واللغة سيوفّر ذلك الثمن كلّه. فالقاعدة واحدة: ما تمنحه الدولة طوعًا في السلم يُحسب لها، وما تُرغَم عليه بعد الحرب يُحسب عليها.
وثمّة فخّ آخر: أن يُختزل الاعتراف في الحصص. فلبنان اعترف بطوائفه حتى صارت الطائفة هي الوحدة السياسية والمواطن عابرًا بينها، فانتهى إلى شلل دائم، والعراق أعطى المسيحيين والإيزيديين مقاعد كوتا، فصار بعضها يُحسم بأصوات تحشدها قوى نافذة من خارج المكوّن، لتضيف إلى كتلها مقاعد باسم الأقليات لا لها، فالاعتراف يحمي الفرد في جماعته، والمحاصصة تحبسه فيها.
وفي الطرف الأقصى تقف إسرائيل، تقدّم نفسها ديمقراطية وتعرّف نفسها دولة دينية، فيُقتل الإنسان فيها على هويته ويُقتلع من أرضه لتقوم عليها مستوطنات لمن استُقدموا مكانه.
الحلّ الأكثر واقعية مواطنة متعدّدة المستويات: هوية وطنية جامعة لا تُلغي الهويات الفرعية، وفيدرالية مرنة لا تصير مقدّمة للتقسيم، وعدالة مالية تمنع المركز من استعمال الرواتب أداة ابتزاز، ومجلس اتحادي حقيقي لا كالذي نصّ عليه دستور العراق وبقي حبرًا على ورق عشرين عامًا، ومحكمة دستورية مستقلة تفصل النزاعات قبل أن تصير أزمات أمنية.
ولا يكفي الدستور ما لم ترافقه مناهج تكتب الرواية الوطنية بروح جامعة لا بروح الغالب والمغلوب، ففي العراق ما يزال تلميذ البصرة يقرأ عن حلبجة والأنفال سطرًا عابرًا إن قرأ، ولا يعرف تلميذ أربيل عن تجفيف الأهوار إلا ما تقوله السياسة، وجيلان لا يعرف أحدهما جراح الآخر لا يتقاسمان وطنًا بثقة.
والمنطقة، وهي تخرج من حرب أعادت رسم موازينها، أمام فرصة نادرة لمراجعة هذا الإرث قبل أن تملأ الفراغ مشاريع إقليمية تتّخذ من المكوّنات القلقة أبوابًا للنفوذ، فوحدها المواطنة المتساوية تحوّل الفسيفساء من قنبلة مؤجّلة إلى جسر.


