: آخر تحديث

اعترافات أمنية تستدعي المساءلة والعدالة الانتقالية!

3
3
2

تشكّل دراسة نضال المرأة في الحركات اليسارية العراقية المتمثلة بالحزب الشيوعي العراقي ركيزة أساسية لفهم تاريخ المقاومة الوطنية ضد الأنظمة الشمولية والفاشية. وفي هذا السرد التاريخي، تبرز الشهيدة البطلة عايدة ياسين مطر (أم علي)، المعروفة في الأوساط الحزبية والشعبية باسم أم علي، كأيقونة قيادية فذة واجهت آلة القمع السياسي بصلابة أسطورية وعنفوان لا يلين، ومن خلال منهج التاريخ الشفوي القائم على استنطاق الذاكرة الحية، يأتي هذا التوثيق المستند إلى لقاء خاص ومباشر أجريناه في مدينة أربيل مع عائلة الشهيدة، ممثلة بابنها علي بهاء الدين نوري وشقيقتها هناء ياسين مطر، ليعيد بناء ملامح تلك السيرة المضمخة بالتضحية، ويفكك شفرات العمل السري والصمود داخل زنازين النظام السابق.

لقد نمت بذور الوعي الأيديولوجي المبكر لدى عايدة ياسين من قلب المعاناة اليومية، حيث ولدت في مدينة البصرة عام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين، ونشأت في منطقة شعبية مكتظة بالفقراء، مما جعلها تدرك في وقت مبكر من حياتها معنى العدالة الاجتماعية وضرورة الدفاع عن المحرومين والمظلومين. وانخرطت في العمل الجماهيري والديمقراطي منذ صباها، وتستذكر شقيقتها هناء حادثة رمزية جرت على كورنيش البصرة خلال احتفالات عيد نوروز، حين قادت عايدة، وهي فتاة شابّة، تظاهرة عارمة هتفت للجمهورية الفتية وتحدت رصاص السلطة الذي فرّق المحتشدين. هذا الالتزام قادها للانتماء رسميًا إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي عام ألف وتسعمائة وواحد وستين، ومع وقوع انقلاب شباط (فبراير) الأسود عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين والملاحقات الشرسة التي شنها الحرس القومي لإبادة الشيوعيين، اضطرت لترك منزلها والاختفاء تمامًا، لتبدأ رحلتها الطويلة والمعقدة في عوالم التنظيم السري.

وفي تلك الأجواء المشحونة بالمخاطر، طورت أم علي آليات تمويه مبتكرة وذكية تفوقت بها على الأجهزة الأمنية، فكانت تتنقل بملابس قروية وشعبية بسيطة وتتحرك حافية القدمين في أسواق البصرة لتندمج بين العامة وتضلل عيون الرقباء. ولم تكن العائلة بعيدة عن هذا النضال، إذ كانت والدتها وشقيقاتها يرافقنها في تحركاتها لتوفير غطاء أمني، بل إن شقيقتها الصغرى كانت تُستغل بذكاء لنقل البريد الحزبي السرّي ومساعدة الشيوعيات المعتقلات في السجون، كالمناضلة آمنة صادق، حيث كان البريد يُضفر بطريقة فنية داخل خصلات شعرها الطويل ويمرر ببراعة أثناء الزيارات دون إثارة الشبهات. وبالرغم من الملاحقة والتخفي، لم تتخلَّ عايدة عن طموحها المعرفي، فأكملت تحصيلها العلمي في كلية الشريعة ببغداد وعملت بالتدريس في المدارس الأهلية لتأمين قوتها وتمويل نشاطها الحزبي ذاتيًا.

بعد الضربة العنيفة والشرسة التي تعرض لها الحزب الشيوعي في أواخر السبعينيات، انتقلت أم علي إلى بغداد ملقيةً على عاتقها مسؤولية وطنية جسيمة تمثلت في إعادة ربط وتشكيل الخلايا التنظيمية المنهارة، وبناء صلات سرّية معقدة بين العاصمة والبصرة. وأسست لشبكة من البيوت والمخابئ السرّية للغاية، وتصف شقيقتها التي زارتها في تلك الحقبة كيف كانت عايدة تدير لوحدها منظومة اتصالات واسعة من داخل مخبأ سري محصن يحتوي على مخارج طوارئ مخصصة للاختفاء والهروب الفوري عند المداهمة. وفي موازاة هذه القساوة التنظيمية، يحمل ابنها علي بهاء الدين نوري في شهادته بُعدًا إنسانيًا مؤثرًا عن أمومتها الوعرة وغير التقليدية، فقد تفرغت للدراسة الحزبية والنضال وتنقّل طفلها بين البصرة وبغداد وسليمانية، ومع ذلك، غرست فيه قيم الاعتماد على النفس وشجاعة مواجهة الحياة، ولم تترك له إرثًا ماديًا بل تركت إرثًا روحيًا ومبدئيًا يتلخص في نصرة قضايا الفقراء واحترام المرأة وحمل شعلة الفكر الإنساني.

بلغت مسيرة أم علي ذروتها التراجيدية والبطولية في منتصف تموز (يوليو) من عام ألف وتسعمائة وثمانين، حين تعرضت للاختطاف والاعتقال تحت تهديد السلاح في أحد شوارع بغداد. وتذكر شهادة شقيقتها هناء الموقف البطولي الخاطف للشهيدة في تلك اللحظة، إذ رأت كادرًا حزبيًا، وهو هيثم الصكر، متوجهًا نحوها بسيارته، فقررت فورًا تسليم نفسها لرجال الأمن لإشغالهم وإنقاذه، مانحة إياه فرصة ثمينة للنجاة والهرب. نُقلت الشهيدة إلى معتقلات الأمن السيئة الصيت، وتعرضت، كما تؤكد الوثائق البعثية الفاشية والشهادات التاريخية، لجميع أشكال التنكيل والتعذيب البشع، إلا أنها تحدت جلاديها بكبرياء وعنفوان، وظلّت عصية على الانكسار شامخة كالجبال ولم تبح بأي سر تنظيمي يحمل ضياعًا لرفاقها أو كشفًا لبيوتها السرية. وأمام هذا الصمود الأسطوري، عجزت السلطة الفاشية عن كسر إرادتها فغيبت جسدها الطاهر، وتعمدت إخفاء تاريخ استشهادها ومكان دفنها، إدراكًا منها أن قبرها سيتحول إلى مزار أبدي لكل الشرفاء والمحرومين.

إن الشهيدة أم علي تمثل نموذجًا فريدًا للمرأة التي صهرت وعيها الإنساني في بوتقة الكفاح السري وعاطفة الأمومة المسؤولة، وتتبع سيرتها لا يقف عند حدود استذكار المأساة والبطولة الفردية، بل يضع الحركة الوطنية والمؤسسة التاريخية أمام مسؤولية أخلاقية تقتضي الاعتراف والوفاء بهذا الإرث بوصفه رمزًا أمميًا ضد الدكتاتورية والفاشية البائدة.

اعترافات أمنية تستدعي المساءلة والعدالة الانتقالية

تحدّث الدكتور حميد عبد الله في برنامجه (تلك الأيام)، في حلقة خصّصها للشهيدة والقيادية الشيوعية عايدة ياسين مطر، مستندًا إلى اعترافات أحد ضباط الأمن بشأن اعتقال الشهيدة والتعذيب البشع الذي تعرّضت له في أقبية ومسالخ البعث، بإشراف فاضل البراك، الذي أُعدم لاحقًا. وتناول البرنامج أسماء صريحة لعدد من المحققين والجلادين، فضلًا عن ثلاث نساء من عضوات منظمة النساء التابعة لحزب البعث، قيل إنهن التقين الشهيدة وناقشنها قبل استشهادها، وذلك استنادًا إلى اعترافات ضابط المخابرات المشار إليه بالحرفين (أ. هـ.).

وتكمن الأهمية التوثيقية لهذه الحلقة في ما عرضته من معلومات وأسماء بشأن أشخاص يُشتبه بتورطهم في تعذيب الشهيدة عايدة ياسين واستشهادها، الأمر الذي يستدعي التحقق من هذه المعلومات ومتابعتها قانونيًا.

وعليه، أرى من الضروري أن يبادر الحزب الشيوعي العراقي إلى إعداد ملف متكامل عن قضية الشهيدة عايدة ياسين، يتضمن ما ورد في البرنامج من اعترافات وأسماء وشهادات، إلى جانب الوثائق والأدلة المتاحة، وتقديمه إلى القضاء العراقي والجهات المختصة، للمطالبة بفتح تحقيق رسمي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجرائم، ممن لا يزالون على قيد الحياة.

إن كشف الحقيقة بشأن اعتقال الشهيدة وتعذيبها واستشهادها، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، لا يمثلان مجرد استحقاق تاريخي، بل هما جزء من حقوق الضحايا وذويهم، ومن متطلبات العدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقيقة، وتحقيق المساءلة، وجبر الضرر، ورد الاعتبار للضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية، وضمان عدم تكرار الجرائم والانتهاكات.

إن إنصاف الشهيدة عايدة ياسين وسائر ضحايا النظام البعثي يقتضي ألّا تبقى الشهادات والاعترافات حبيسة البرامج والوثائق، بل أن تتحول، بعد التحقق منها، إلى ملفات قانونية تضعها الجهات المختصة أمام مسؤولياتها. فالعدالة الانتقالية ليست استعادة للماضي فحسب، وإنما مسار لإنصاف الضحايا، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مستقبل لا يفلت فيه مرتكبو الانتهاكات الجسيمة من المساءلة.

أخيرًا، تستند هذه الدراسة التوثيقية بصورة رئيسية إلى مادة التاريخ الشفوي المستقاة من المقابلة الحصرية والميدانية، المسجّلة بالصوت والصورة، التي أجراها الباحث شه مال عادل سليم في مدينة أربيل مع ابن الشهيدة، علي بهاء الدين نوري، وشقيقتها، هناء ياسين مطر. وتُتاح المقابلة رقميًا عبر قناة الباحث شه مال عادل سليم على منصة يوتيوب، من خلال الرابط الإلكتروني الموثّق الخاص بها.

كما تعتمد الدراسة على ما عرضه الدكتور حميد عبد الله في برنامجه “تلك الأيام”، بشأن تفاصيل اعتقال القيادية في الحزب الشيوعي العراقي، الشهيدة عايدة ياسين مطر، داخل الشعبة الأولى لمديرية الأمن العامة، وما كُشف عنه من معلومات وُصفت بأنها تُعرض للمرة الأولى، استنادًا إلى مصادر استخبارية، بشأن ملابسات الاعتقال والتحقيقات التي تعرّضت لها الشهيدة.

وتشكّل المقابلة الميدانية والشهادة التلفزيونية مصدرين مهمّين في جمع الروايات المتعلقة بالقضية وتوثيقها، من خلال الجمع بين شهادات أفراد أسرة الشهيدة والمعلومات التي عرضها البرنامج، بما يتيح مقاربة تاريخية توثيقية تسعى إلى استجلاء ملابسات اعتقالها وما تعرّضت له.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.