الرسالة الأهم للعالم هي أن استهداف المملكة ليس حادثًا محليًا معزولًا، بل اعتداء تتسع تداعياته إلى الأمن الخليجي والإقليمي والمصالح الدولية.. والصمت أمامه ليس حيادًا يحمي الاستقرار، بل قد يتحول إلى عامل يسمح بتكرار التهديد.. فأمن السعودية ركيزة لأمن الخليج، وأمن الخليج ضرورة لاستقرار المنطقة، واستقرار المنطقة مصلحة للعالم كله..
حين تستهدف الميليشيا الحوثية المملكة العربية السعودية، فإنها لا تستهدف حدود دولة بعينها، ولا منشأة نفطية أو مطاراً أو مرفقاً حيوياً فحسب، بل تمس منظومة مترابطة من المصالح الخليجية والإقليمية والدولية، يتجاوز تأثيرها الجغرافيا السعودية ليصل إلى أمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد وحركة التجارة والاستثمار والاستقرار الاقتصادي. ومن هنا، فإن قراءة الاعتداءات الحوثية باعتبارها شأناً سعودياً منفرداً تمثل خطأً استراتيجياً في تقدير طبيعة التهديد وحجم تداعياته.
فالمملكة ليست مجرد دولة محورية في محيطها الخليجي والعربي، بل تمثل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً ودينياً، وركيزة أساسية في استقرار أسواق الطاقة العالمية، ومركزاً تتقاطع عنده مصالح الدول الكبرى والاقتصادات الناشئة. ولذلك فإن أي محاولة لزعزعة أمنها تحمل في جوهرها تهديداً لمصالح تتجاوز حدودها، وتجعل التصدي لهذا الخطر مسؤولية مشتركة، لا عبئاً سعودياً تتحمله الرياض وحدها.
إن الرهان الحوثي على استهداف المنشآت النفطية والمطارات والبنية التحتية الحيوية يقوم على تصور أن تكرار الاعتداءات سيرفع الأعباء الأمنية، ويربك حركة السفر والنقل، ويختبر جاهزية المنظومات الدفاعية، ويؤثر في ثقة الأسواق والمستثمرين، وربما يؤخر تنفيذ المشاريع والخطط التنموية السعودية.
لكن ما يغيب عن هذه الحسابات هو أن الأثر شيء، والنتيجة الاستراتيجية شيء آخر. فقد تؤدي الهجمات إلى اضطرابات مؤقتة وخسائر وتكاليف إضافية، لكنها لا تعني بالضرورة القدرة على تغيير المسار السياسي والاقتصادي لدولة تمتلك مؤسسات راسخة ومصالح استراتيجية ممتدة وشراكات دولية واسعة.
والأهم أن تداعيات هذه الاعتداءات لا تتوقف عند المملكة. فأي تهديد لمنشآت الطاقة السعودية ينعكس على توقعات الإمدادات والأسعار العالمية، وأي اضطراب في حركة الطيران أو الملاحة الإقليمية قد يمتد أثره إلى شبكات النقل والتجارة العابرة للقارات، فيما يؤدي استمرار التوتر العسكري إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وزيادة مستويات عدم اليقين لدى الأسواق.. ومن هنا، فإن أمن السعودية لا ينفصل عن أمن الخليج، وأمن الخليج لا ينفصل عن استقرار الشرق الأوسط، واستقرار الشرق الأوسط جزء أصيل من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
إن التهديد الذي يبدأ من استهداف منشأة سعودية قد تنتهي تداعياته عند مستهلك للطاقة في آسيا، أو مصنع في أوروبا، أو شركة شحن في المحيط الهندي. وهذه الحقيقة وحدها كافية لنقل التعامل مع الاعتداءات الحوثية من إطار الإدانة الدبلوماسية العابرة إلى مستوى المسؤولية الجماعية الفاعلة.
كما أن الاعتقاد الحوثي أن تصدير التهديد إلى الخارج سيعوض أزمة الشرعية في الداخل اليمني، أو يمنح الميليشيا مكاسب سياسية من خلال تشويه صورة المملكة، يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة. فالشرعية السياسية لا تصنعها الصواريخ والمسيّرات، ولا يتحول العجز عن بناء مؤسسات الدولة إلى إنجاز بمجرد نقل الصراع إلى أراضي الآخرين.
وفي المقابل، فإن الموقف السعودي يجمع بين الدفاع المشروع عن السيادة وحماية المواطنين والمقيمين والمنشآت الحيوية، وبين الحرص على دعم الأمن الإقليمي والحلول السياسية التي تحفظ لليمن وحدته واستقراره. وهذه المعادلة لا تعني التساهل مع التهديدات، بل تؤكد أن حماية الأمن الوطني والعمل الدبلوماسي مساران متكاملان، وليسا خيارين متعارضين.. لكن استمرار هذا النوع من الاعتداءات يفرض سؤالاً على المجتمعين الخليجي والدولي: إلى متى تبقى الإدانة اللفظية بديلاً عن موقف جماعي واضح يتناسب مع خطورة استهداف المصالح المشتركة؟
إن المطلوب موقف صارم ومسؤول من الجميع؛ خليجياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، يرتكز على تعزيز التنسيق الدفاعي والاستخباراتي، ومنع تدفق الأسلحة إلى الجهات التي تستخدمها في استهداف المدنيين، ومساءلة المتورطين في الاعتداءات وفق القانون الدولي، وتفعيل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية الكفيلة برفع تكلفة التصعيد، دون الإضرار بالشعب اليمني أو إغلاق مسارات التسوية السياسية.. فالتهاون مع تهديد أمن السعودية اليوم قد يشجع على توسيع دائرة التهديد غداً، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية يمكن استخدامه وسيلة لفرض المطالب السياسية.
إن حماية المملكة ليست مسؤولية سعودية فحسب من زاوية المصالح والآثار، بل هي مصلحة خليجية وعربية ودولية تستوجب موقفاً جماعياً حازماً.. ولا يعني ذلك انتقاصاً من قدرة الرياض على حماية سيادتها، وإنما إدراك أن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بفاعلية من خلال الحسابات الوطنية المنفردة وحدها.
وفي المحصلة، فإن المشاريع الوطنية الكبرى لا تسقط لمجرد أن خصومها يهددونها، وإنما تتعثر عندما تفقد ثقة الناس أو تعجز مؤسساتها عن حمايتها واستدامتها. والمملكة تدرك هذه المعادلة وهي تواصل بناء قدراتها وتعزيز شراكاتها وصون مصالحها.
أما الرسالة الأهم للعالم فهي أن استهداف السعودية ليس حادثاً محلياً معزولاً، بل اعتداء تتسع تداعياته إلى الأمن الخليجي والإقليمي والمصالح الدولية.. والصمت أمامه ليس حياداً يحمي الاستقرار، بل قد يتحول إلى عامل يسمح بتكرار التهديد.. فأمن السعودية ركيزة لأمن الخليج، وأمن الخليج ضرورة لاستقرار المنطقة، واستقرار المنطقة مصلحة للعالم كله. ومن يدرك ترابط هذه المصالح، يدرك أن التصدي للتهديد يجب أن يكون جماعياً، حازماً، ومستداماً.

