كانت الجيوش والمدافع والخنادق والحصار.. أدوات رئيسية في الحرب العالمية الأولى، والتي كانت تمتد في حدودها القارات. بينما دخلت الطائرات الحربية ساحات المعارك بالحرب العالمية الثانية، وأصبح القصف الجوي عاملاً حاسماً في انتصارات أو هزائم الجيوش، وشهدنا كيف كان القصف النووي الأمريكي ضد اليابان هو الستار الذي أغلق مشهد الحرب العالمية الثانية. اليوم الوضع مختلف جداً، فأي دولة قادرة.. يمكنها أن تُلحق أضراراً إستراتيجية كبيرة بدولة أخرى، دون أن تفقد جندياً واحداً خارج أراضيها.
العقوبات الاقتصادية اليوم والهجمات السيبرانية والمعلومات المضللة إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة، أصبحت أدوات عصرية جديدة دخلت المشهد العسكري، كما نعيشه اليوم. فأهداف الحروب الجديدة قد تطول الاتصالات وشبكات المواصلات والبنوك والمصارف والموانئ. الحروب اليوم لا تحتاج دائماً إلى احتلال أرض أو إسقاط عاصمة، بل تكفي السيطرة على معلومات أو فشل اقتصادي، وتعطيل مطارات، وقطع اتصالات، وإيقاف بعض المرافق الحيوية، حتى تسقط دول.
فقد امتدت آثار الحرب الروسية – الأوكرانية إلى أسواق الطاقة والغذاء والتسلح، ووصلت إلى اقتصادات دول بعيدة عن ساحات القتال. أما الشرق الأوسط، فلم تعد صراعاته مجرد مواجهات محلية، بل هي اليوم مرتبطة بأمن الممرات البحرية، التي أثرت بدورها في أسعار الطاقة وخاصة النفط، التي أدخلت تحالفات دولية وحسابات قوى كبرى في دائرتها.
في الحربين العالميتين السابقتين كانت الدول تدخل الحرب، ثم تتحمل شعوبها النتائج. أما اليوم فقد تتحمل الشعوب نتائج صراعات لم تدخلها دولها أصلاً.. حيث ارتفعت أسعار النفط ومنتجاته، ثم أسعار الشحن والمواصلات والغذاء على المستوى العالمي، رغم أن الحرب الفعلية بمفهومها العسكري كانت بين الولايات المتحدة وإيران بشكل رئيسي فقط.
فهل نحن بالكويت ومنطقة الخليج مستعدون لأي تأثير من جراء الحروب البعيدة، يمكن أن يطول أمننا الغذائي والاقتصادي والرقمي، حتى لو بقينا خارج ساحات القتال؟!
فتنويع مصادر الغذاء، وحماية البنية التحتية، وتأمين الطاقة والمياه، وتعزيز الأمن السيبراني، وتعزيز القدرة على الاستمرار في أوقات الأزمات، من أهم مقومات مواجهة هذا التأثير.
إقبال الأحمد

