: آخر تحديث

وطنٌ يزداد قوة في الأزمات

5
3
1

كتبت الأسبوع الماضي عن مطار الملك خالد الدولي، وعن القوة التي تظهرها المطارات السعودية في أصعب اللحظات، لكن الواقع أنني حينما أتأمل ما يجري، أدرك أن ما نراه في مطاراتنا ليس سوى صورة من مشهد وطني أكبر، وأن متانة قطاع الطيران السعودي هي امتداد طبيعي لقوة دولة بُنيت مؤسساتها على الاستقرار، وقيادتها على الحكمة، وعلاقتها بمواطنيها على الرعاية والمسؤولية.الأزمات تختبر قوة المنشآت وتبيّن قدرة الدول، وتكشف مكانة الإنسان في حساباتها، ومدى استعدادها لتحمّل المسؤولية عندما تصبح الظروف أكثر تعقيداً.في صناعة الطيران تحديداً، تظهر هذه الحقيقة بوضوح نظراً لصرامة الأنظمة وحساسية القطاع تجاه أدنى المتغيّرات وتماسه المباشر مع حياة الناس بشكل لحظي.الأحداث الأخيرة أوضحت ما تبذله المملكة من جهود لمعالجة أوضاع المسافرين المتأثرين بتعثر الرحلات، وما تقوم به سفاراتها من متابعة ورعاية للمواطنين خارج الوطن، والتنسيق لتوفير الإقامة والرحلات البديلة، إلى جانب جهود الجهات المختصة وشركات الطيران داخل المملكة.هذه الأعمال مع أهميتها التشغيلية تحمل معنى إنسانياً أكبر، فالمواطن السعودي لا يكون وحده حتى وإن فصلته عن دولته القارات والمحيطات، وهذا ليس جديداً على المملكة، فقد شهد العالم خلال جائحة كورونا واحدة من أكبر التجارب في إدارة الأزمات الحديثة، عندما أغلقت المطارات وأصبحت العودة إلى الأوطان حلماً صعباً على ملايين البشر.في تلك الأيام، كانت إعادة المواطنين ملحمة وطنية وإنسانية شاركت في إنجازها منظومة متكاملة من مؤسسات الدولة، من وزارة الخارجية والهيئة العامة للطيران المدني والخطوط السعودية ووزارات الصحة والسياحة والداخلية وغيرها من الجهات.كانت الطائرات تقلع لإعادة المواطنين من مدن بعيدة، وكانت السفارات تتابع أوضاعهم والمطارات تستعد لاستقبالهم، والجهات الصحية تنظم إجراءات الوقاية والرعاية حتى عاد إلى المملكة عشرات الآلاف من مواطنيها عبر رحلات استثنائية، في تجربة أكدت أن كفاءة الدولة لا تقاس فقط في الظروف الطبيعية، إنما بما تستطيع فعله حين تتعطل أنظمة الحياة المعتادة.ولعل من أهم دروس تلك التجربة أن الأزمات، رغم قسوتها تفتح أبواباً للتطوير، فقد استطاعت المملكة تحويل تحديات الجائحة إلى فرص لتسريع التحوّل الرقمي وتطوير الخدمات وتعزيز الجاهزية.ولأن هذه القدرة على مواجهة الأزمات لا تقتصر على قطاع الطيران، فقد استوقفني ما ذكره هذا الأسبوع المهندس أمين الناصر، رئيس أرامكو السعودية بشأن قدرة الشركة على إصلاح الأضرار واستعادة عملياتها بسرعة تتجاوز المعدلات المعتادة في الصناعة بأكثر من ست مرات.هذا الرقم دليل على الاستعداد المسبق وتراكم الخبرات، وتحويل التجارب الصعبة إلى منظومات أكثر كفاءة ومرونة.ما تكشفه تجربة قطاع الطاقة من أهمية الاستعداد المسبق، نجده كذلك في قطاع الطيران حيث يمثل الإنسان المؤهل والخطط البديلة وسرعة اتخاذ القرار ركائز أساسية للمرونة التشغيلية.كم أشعر بالفخر حين أرى منظومة الطيران السعودي تتعامل مع الظروف الاستثنائية بروح المسؤولية، وأشعر بفخر أكبر حين أرى هذه المنظومة تعمل ضمن دولة تتكامل فيها جهود المؤسسات، وتلتقي فيها القرارات عند هدف واحد هو حماية الإنسان وخدمة الوطن.صرنا بحمد الله نرى في كل تحدٍّ ألف فرصة، وفي كل صعوبة ألف نجاح، ليس لأننا نستخف بالأزمات أو نتجاهل آثارها، بل لأننا نؤمن بأن قوة الأوطان تظهر في قدرتها على التعلم والتطور والبناء، وأن الدول الراسخة تخرج من الأزمات بخبرات أعمق وقدرات أكبر.من هنا أبعث تحية تقدير واعتزاز إلى سفارات المملكة في مختلف دول العالم وإلى وزارة الخارجية، وإلى جميع العاملين في منظومة الطيران السعودي وكل من يؤدي واجبه في هذه الظروف الصعبة.الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، اللذين سخّرا إمكانات الدولة لخدمة الإنسان وحماية مصالح الوطن، وجعلا بناء القدرات الوطنية والاستثمار في الإنسان أساساً من أسس قوة المملكة ومستقبلها.هذه هي المملكة، دولة لا تتوقف مسيرتها أمام الصعوبات ولا تختزل قوتها في ثرواتها ومنشآتها، وإذا كانت الطائرات تعبر القارات ليصل الإنسان إلى وجهته، فإن قوة هذا الوطن تعبر المسافات لتصل إلى الإنسان حيثما كان.فالحمد لله على قيادة واعية حكيمة تؤمن بعمارة الأرض وبناء الإنسان، والحمد لله على وطن ينام على أمن ويصحو على عطاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد