سلطان ابراهيم الخلف
كانت مفاجأة صادمة للحكومة الفرنسية، أن تخرج أعداد كبيرة من طلبة الثانوية العامة لتعبّر عن احتجاجها على إهمال حكومتهم لمرفق التعليم الثانوي، الذي يعاني من انعدام الصيانة في المدارس، وتكدّس الفصول الطلابية فيها، ونقص أعداد الهيئة التدريسية.
شارك الطلبة في الاحتجاجات أولياء أمورهم، كما انضم إليهم المدرسون والمدرسات، حيث بدأت الاحتجاجات في العاصمة باريس لتمتدّ إلى مدن عدة أخرى، وتخلّلها مواجهات مع عناصر الشرطة، مارست فيها الشرطة عنفاً مع الطلبة غير مبرّر، وهو ما زاد من حدّة المواجهات بين الطرفين، كما انتهزت الفرصة العناصر الفوضوية التخريبية واعتدت على الممتلكات الخاصة والعامة، في ظاهرة احتجاجية طلابية كبرى لم تشهدها فرنسا من قبل.
احتجاجات الطلبة قد يكون لها ما يُبرّرها بسبب إهمال حكومتهم لمطالبهم التي قد تكون مطالب قديمة، لكنها لم تعرها اهتماماً، حيث الحكومة مشغولة بتمويل الحرب الأوكرانية ومواجهة الروس، وإهمال الشؤون الداخلية، والتي دعت أصحاب «السترات الصفراء» إلى المشاركة في الاحتجاجات لتزيد من حدّتها، وهموم الحكومة الفرنسية.
يدرك الفرنسيون أن بلادهم، دولة كبرى صناعية، وتسيطر على اقتصاديات 14 دولة أفريقية، ولا مبرّر لها لإهمالها دعم الخدمات العامة، ورفع معاناة الشعب الفرنسي الذي يُواجه غلاء المعيشة، وأزمة سكنية، ورواتب بالكاد تُغطّي نفقاتهم، وانكماش فرص العمل. لكن في ظروف تمويل الحرب الأوكرانية الحالية، قد يكون من الصعب تحقيق مطالب الطلبة المحتجين، من توفير مخصصات مالية لحل أزمة التعليم الثانوي، أو دعم الخدمات العامة، وهي ظاهرة تعكس مشكلة اقتصادية في العديد من دول الاتحاد الأوروبي غير فرنسا، أدت إلى خروج مظاهرات احتجاجية طلابية فيها، وإن كانت أقل حدّة من فرنسا، ناهيك عن مشاركة الاتحادات العمالية فيها، حتى أن رئيس وزراء بريطانيا العمالي أندي بيرنهام جعل من أولوياته عندما تسلّم السلطة، هو الاهتمام بالخدمات العامة، وربما كان على علم بخطورة إهمالها، والاستمرار بسياسة التقشّف التي كانت تتبعها الحكومات السابقة.
اليوم، تواجه دول الاتحاد الأوروبي مشكلة التوفيق بين دعم الحرب الأوكرانية المكلفة، وتحقيق مطالب شعوبها المهملة، والتي فجرتها الاحتجاجات الطلابية، وهو تحدٍ كبير، يُؤرّق قادتها، لكنه يبعث التفاؤل لدى الروس، ولدى الرئيس الأميركي، الذي أبدى تعاطفه مع بوتين، و ألغى مجموعة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، ليزيد من أزمة الاتحاد الأوروبي.

