يطلق على هذه الانتخابات الانتخابات النصفية لأنها تتم بعد عامين من ولاية الرئيس، ولها تداعياتها على السياسة الداخلية والخارجية كما نرى اليوم في الحرب الأميركية الإيرانية والحرب الأوكرانية والرسوم الجمركية التي تفرضها الإدارة الأميركية على العديد من الدول. وتنبع أهمية هذه الانتخابات من فرضية أساسية، وهي كونية الدور الأميركي. وترقى إلى مستوى الانتخابات الرئاسية. فالأصل في النظام السياسي الأميركي رئاسي، حرصًا من المؤسسين الأوائل على رئيس واحد يجسد الأمة والهوية الأميركية الواحدة، ولذلك نص الدستور الأميركي على رئاسية السلطة التنفيذية، ومنح سلطات كثيرة ومتنوعة في كافة المجالات السياسية وسلطات الحرب، وتحسبًا من تحوله لرئيس مطلق يسيء استخدام سلطاته تم إقرار نظام الكوابح والجوامح، وبموجبه لا يمكن للرئيس أن يمارس سلطاته بدون مشاركة الكونجرس. فعلى سبيل المثال، قرار الحرب والموازنة العامة بيد النواب، واعتماد المعاهدات الدولية يحتاج موافقة الشيوخ، حتى سلطة عزل الرئيس. في هذا السياق تأتي أهمية الانتخابات النصفية للكونجرس، والانتخابات الحالية تحديدًا، وذلك كما نرى من تمادي الرئيس ترامب بممارسة سلطاته في العديد من القضايا كالهجرة والتشديد على إصدار التأشيرات ومهاجمته للمرشحين من الديمقراطيين، وتُعزى هذه السلطة لكون الكونجرس الحالي يسيطر عليه بمجلسيه الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس، ومن أهمية الانتخابات النصفية الحالية والتخوفات من إمكانية الحزب الديمقراطي من استعادة سيطرته على أحد المجلسين، وخصوصًا النواب.
وحرص الرئيس على فوز حزبه في هذه الانتخابات لما لذلك من دعم للقرارات الرئاسية والتناغم بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من الناحية المؤسساتية والدستورية والصلاحيات والسلطات المتنوعة والمتعددة التي يمارسها الكونجرس، وبسبب نظام الكوابح والجوامح الذي يحكم العلاقة بين المؤسسات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية. فالأساس في النظام السياسي الأميركي أن كل سلطة تقوم بسلطاتها كاملة دستوريًا، لكن حرصًا من مؤسسي الدولة على عدم توغل أي سلطة في سلطاتها، تشارك كل سلطة السلطة الأخرى أو تكبح جماح توغلها في ظل قيود ومحددات متوافق عليها. فعلى سبيل المثال، من حق السلطة التنفيذية التفاوض وإدارة الشؤون الخارجية وتوقيع المعاهدات مع الدول الأخرى، لكن حتى تصبح نافذة لا بد من تصديق مجلس الشيوخ بالأغلبية البسيطة، وعند الرفض تلجأ السلطة التنفيذية للأوامر التنفيذية التي من حق الرئيس التالي أن يلغيها، وهذا كما حدث مع الرئيس ترامب الذي قرر الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. هذا النظام يوضح لنا أهمية هذه الانتخابات النصفية التي تتم لنصف أعضاء الكونجرس البالغ عددهم 535 عضوًا بمجلسيه، مائة للشيوخ والباقي للنواب، ووفقًا لهذه الانتخابات يتم تجديد كافة أعضاء مجلس النواب وعددهم 535 نائبًا، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، أي 35 من أصل 100 عضو. فبالنسبة إلى مجلس النواب يتم انتخاب أعضائه لفترة مدتها عامان، ولذلك يتم تجديد جميع أعضائه الـ435 نائبًا، ويقوم كل الناخبين الأميركيين وعددهم 250 مليونًا بانتخابهم، وهم نفس العدد الذي ينتخب الرئيس الأميركي. وهنا معادلة النظام السياسي الأميركي: الرئيس يساوي مجلس النواب بكل أعضائه. أما أعضاء مجلس الشيوخ فيتم انتخابهم لمدة ستة أعوام، ولكل ولاية نائبان، مما يحقق مبدأ المساواة بين الولايات والتي حرص عليها المؤسسون. ويتم انتخاب ثلث أعضائه مع الانتخابات النصفية، أي 35 نائبًا.
هذا ويتم في نفس الوقت إعادة انتخاب بعض حكام الولايات ورؤساء بلديات المدن والبلديات، ولذلك تحظى هذه الانتخابات بالتنافس والصراع الشديد بين الحزبين، ويقف وراءها الرئيس داعمًا حزبه. وكما يقول غاري نورد لينغر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن: من يسيطر على النواب أو مجلس الشيوخ يسيطر على البرنامج السياسي. ولا يمكن للرئيس إنجاز برنامجه السياسي إلا إذا كان حزبه يسيطر على المجلسين. ولذلك هذه الانتخابات استفتاء على المشروع السياسي للرئيس ترامب ومستقبله. ولضمان فوزه قام بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية مثل تكساس واستحداث خمس دوائر إضافية. وقام بعملية حملة تبرعات مالية وتمكن خلال ثلاثة أسابيع من ولايته الثانية من جمع 608 ملايين دولار. وتحتاج ما يقارب 11.6 مليار دولار، وهذا ما يفسر قوة المال وقوة اللوبي الصهيوني. السؤال: هل ينجح الديمقراطيون في استعادة سيطرتهم؟ الذي سيحكم على نتيجة الانتخابات ما بات يعرف بالظاهرة الترامبية والشعبوية البيضاء، والذين يزيد عددهم الآن على 75 مليونًا، وهو عدد كفيل بترجيح نتيجتها.


