: آخر تحديث

من الاندثار إلى الازدهار... والدرعية عاصمة للمستقبل

4
5
2

بعض الكتب تتأخر قراءتنا لها، لكنها حين تعود إلى أيدينا تستوقفنا كأننا نلتقيها للمرة الأولى. وهذا ما حدث لي حين عثرت بين كتب مكتبتي على كتاب "من الاندثار إلى الازدهار: البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية"، الذي تفضّل صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بإهدائه إليّ عام 2022. اختلط الكتاب بكتب كثيرة، وغاب عن موضع النظر، حتى وجدته اليوم، فاستعدت مع إهدائه الكريم معنى المودة، ووجدت في كلماته عن صورة الغلاف مدخلًا إلى تجربة وطنية تستحق التأمل والتقدير.

يحمل الكتاب اسم الأمير سلطان بن سلمان، مع الأستاذ الدكتور علي الغبّان، ويحمل عنوانه دلالة تختصر رحلة من الوعي والعمل والصبر، رحلة آمنت بأن ما تركه الآباء والأجداد أمانة تستحق الحماية، وثروة حضارية تستطيع أن تثري حياة الأجيال المقبلة، وتشارك في بناء مستقبلها.

وتكتسب شهادة الأمير قيمتها من كونه قريبًا من هذه التجربة، مشاركًا في أعمالها وتحدياتها. فهو يستعيد زمنًا تعرضت فيه مواقع ومبانٍ تراثية للإهمال والإزالة، وصاحبت ذلك نظرة اجتماعية لم تكن تدرك دائمًا قيمة ما تفقده. ومن أكثر التفاصيل تعبيرًا تساؤل بعض الناس، حين شرع في إعادة بناء بيت العذيبات، عن جدوى بناء بيت من الطين. ففي ذلك السؤال تبدو ملامح مرحلة كانت تربط التقدم بالابتعاد عن الموروث، قبل أن يتسع الوعي بما يحمله هذا الموروث من معرفة وجمال وخصوصية.

وفي قلب هذه الشهادة يحضر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، بوصفه الداعم والمرجع والسند. ويعرض الأمير أثر اهتمام والده بالمواقع التاريخية، وحرصه على زيارتها واستذكار ما شهدته من وقائع تأسيس البلاد وتوحيدها. وفي هذا الحرص معنى تربوي عميق، فالتاريخ يزداد حضورًا حين يقف الإنسان في المكان الذي جرت فيه أحداثه، ويتعرف إلى تفاصيله، ويشعر بصلته بما يقرأ ويسمع.

وقد اقترن اهتمام الأمير سلطان بالتراث بالمشاركة المباشرة، من جولاته على المواقع التاريخية، إلى مشاركته وأسرته في بناء بيت العذيبات، وإشرافه بتكليف من والده على تصميم قصر العوجا بالدرعية وبنائه وتجهيزه. وهي تفاصيل تمنح الحديث صدقه الإنساني، وتكشف كيف يتحول التعلق بالمكان إلى مسؤولية، وكيف تصبح القناعة عملًا تتراكم ثماره مع الزمن.

ويلفتني أيضًا إنصافه للشركاء، إذ يربط ما تحقق بمشاركة الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية والمهتمين والمخلصين. فالتراث يحتاج إلى مؤسسات تحميه، وخبرات تتقن صيانته، ومجتمع يشعر بأنه معنيّ به. وحين تجتمع هذه العناصر، يصبح الحفاظ عليه جزءًا من حياة الناس ومن تصورهم لمستقبل وطنهم.

ومن هذه الفكرة أصل إلى الدرعية، التي أراها من أبلغ الأمثلة على قدرة المكان التاريخي على اكتساب أدوار متجددة. فقد نشأت عام 1446 على يد الأمير مانع المريدي، وأصبحت عاصمة الدولة السعودية الأولى مع تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727. ومن ضفاف وادي حنيفة اتسع حضورها السياسي والعلمي والحضاري، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية السعودية.

 

واليوم، يكتسب إحياء الدرعية معناه من إعادة وصل هذه الذاكرة بالحياة المعاصرة. ويجسد حي الطريف، المدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2010، القيمة التاريخية والعمرانية التي تحملها مبانيها الطينية. وما كان بعض الناس يتساءلون عن جدوى إعادة بنائه أصبح موضع اعتزاز واهتمام، وشاهدًا على ما تختزنه العمارة المحلية من معرفة وإبداع.

وهنا أستعيد مقالًا نشرته في جريدة إيلاف في 22 شباط (فبراير) 2025، بعنوان "الدرعية: من مهد الدولة إلى عاصمة المستقبل"، طرحت فيه فكرة ما زلت أراها جديرة بالتأمل: لماذا لا تصبح الدرعية عاصمة سياسية ودبلوماسية للمملكة، تنتقل إليها السفارات الأجنبية، ويُنشأ فيها مقر جديد لوزارة الخارجية السعودية، في بيئة عمرانية تستلهم التراث وتستجيب لمتطلبات العمل المعاصر؟

كنت قد استلهمت هذا المقترح أثناء كتابة فصل عن الدرعية، بعنوان "الدرعية ـ نواة الحلم السعودي وبوابة المستقبل"، ضمن مشروع كتابي "القوة والتحول MBS". وقد رأيت أن مكانة الدرعية تتيح التفكير في دور يتجاوز الزيارة السياحية إلى المشاركة في تمثيل الدولة وصورتها أمام العالم، فالمكان الذي شهد بدايات التأسيس يستطيع أن يمنح الحضور الدبلوماسي السعودي إطارًا حضاريًا بالغ الدلالة.

وفي التصور الذي دعوت إليه، تتكامل الأدوار بين الرياض عاصمة إدارية، والدرعية عاصمة سياسية ودبلوماسية، ومكة المكرمة بما لها من مكانة دينية مقدسة. وهو مقترح أطرحه انطلاقًا من رمزية الدرعية وإمكاناتها، وأرى أن بحثه يستحق دراسة ما يمكن أن يضيفه إلى التنظيم الحضري، والحياة الثقافية، والاقتصاد المحلي، وصورة المملكة في الخارج.

وتتجلى جاذبية الفكرة في أن الدبلوماسي والزائر سيقتربان من تاريخ المملكة عبر المكان نفسه، عبر عمارته ومتاحفه وميادينه وحرفه وحياة أهله. وهكذا يمكن أن يصبح التراث لغة للتواصل والتعريف بالوطن، وأن تمنح الدرعية العمل الدبلوماسي عمقًا يستمد قوته من جذور الدولة وذاكرتها.

ويرتبط نجاح هذا التصور بقدرة التطوير على صون المواقع الأثرية، واحترام النسيج العمراني، وتوفير مرافق حديثة منسجمة مع هوية المكان. فالقيمة التي تدعونا إلى اقتراح هذا الدور للدرعية هي ذاتها التي ينبغي أن تقود تطويرها وتحفظ خصوصيتها.

وهذا يعيدني إلى "اقتصاد التراث" الذي يشير إليه الأمير سلطان، إذ يمكن لصيانة المواقع وإحياء العمران التاريخي أن يصاحبهما تجدد الحرف، وانتقال الخبرات، ونشوء فرص للعمل والإبداع. ومن هذا المنظور، يمثل مقترحي بشأن الدرعية امتدادًا شخصيًا للتفكير في الآفاق التي يفتحها الانتقال من إنقاذ التراث إلى استثمار قيمته الحضارية في بناء المستقبل.

لقد سعدت بالعثور على هذا الإهداء بعد غيابه بين رفوف مكتبتي، وأتوجه إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بخالص الشكر على كريم مهداه، وبالتقدير لجهده وشهادته وما يعكسانه من محبة للوطن وإيمان بعمقه الحضاري.

ولعل أجمل ما أثاره الكتاب في نفسي أن حماية الذاكرة تفتح أمامنا أبواب الخيال والعمل. ومن هنا أجدد دعوتي إلى التفكير في الدرعية عاصمة سياسية ودبلوماسية للمستقبل، لتواصل، من موقع متجدد، دورها في قصة الدولة التي بدأت من أرضها، ويظل تاريخها مصدرًا من مصادر قوتها وازدهارها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.