: آخر تحديث

عالم ما بعد حربَي أوكرانيا وإيران

3
3
1

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن صفقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لشراء الديزل، لم يكن يتوقع أن تتجرَّأ أوكرانيا، ولا أن تعارض أوروبا خطوته، بل ظنَّ أنَّه قادر على ضبط الإيقاع، وفرض السلام الأميركي. الرد جاء سريعاً من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي واصفاً الاتفاق بـ«هدية لبوتين» على عدوانه، ولم تمضِ أيام حتى أعلن استئناف ضرباته لمعامل تكرير الديزل الروسية لحرمان بوتين من العوائد المالية المغذية لجيشه؛ وجاء الرد الأميركي بوقف الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التابع لرجل الأعمال إيلون ماسك، مما عطل أجهزة الإنذار المبكر، وكانت النتيجة سقوط ضحايا مدنيين ووهناً في الجبهة العسكرية.

هذا التحدي الأوكراني لم يكن ممكناً سابقاً لأن صمود أوكرانيا توقف على الدعم الأميركي، لكن بعد ما يقارب خمس سنوات تعزَّزت القوة الأوكرانية وازداد الانخراط الأوروبي مالياً وعسكرياً وإنْ بشكل غير مباشر. الآن يدرك زيلينسكي أهمية الدعم الأميركي لكنَّه واثق بأنَّه في عام 2028 سيملك الاتحاد الأوروبي قمره الاصطناعي، وفي عام 2032 ستبني بلاده قمرها الخاص بدعم أوروبي.

هذا التحدي الأوكراني، والأوروبي، وإصرار ترمب على سياسته سيؤديان حتماً إلى نظام عالمي جديد لن تكون فيه أميركا سيدة العالم، وستنشأ توازنات معقدة، ومتغيرة باستمرار، وتصبح الحروب أمراً اعتيادياً. وتدرك أوروبا أن بوتين عازم على إخضاع أوكرانيا، وهذا يضرب عمق مصالحها، ومع اشتداد الحرب الأوكرانية تنخرط أوروبا أكثر فيها، وتتطلع إلى يوم لا تحتاج فيه إلى أميركا. هذا التفكير ترجمته أوروبا بخطوات عملية عسكرية بامتياز، وبتهيئة نفسية للمواجهة المتوقعة. فالبريطانيون، وهم الحليف الأوثق للولايات المتحدة كمثال، بدأوا يتحدثون فعلياً عن احتمالية العودة إلى الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل تمتين العلاقات التجارية والثقافية والدفاعية بالذات التي قطعت شوطاً كبيراً. وليس مصادفة أن يُحذر قائد الجيش البريطاني السير رولي ووكر بأنَّه على المواطنين البريطانيين الاستعداد لتقديم تضحيات للدفاع عن بلادهم، واصفاً ما يمر به العالم بالمرحلة الخطيرة. ودعا الحكومة إلى مصارحة شعبها بالتحديات والخطوط الحمر التي ينبغي رسمها في سبيل حماية أمن البلاد ومواجهة المستقبل.

في خضمّ تلك التحولات لا تزال الولايات المتحدة موزَّعة الهوى في تحديد بوصلتها، فمن جهة تريد أن تحافظ على هيمنتها، ومن جهة أخرى لا ترغب في دفع فاتورة الهيمنة التي خدمتها وحققت مصالحها، وبها أصبحت دولة عظمى لا مثيل لها في تاريخ البشرية. فترمب يقفز في سياساته من موقف إلى آخر مدفوعاً ليس باستراتيجية محددة الأهداف بل بتكتيكات تحوَّلت بذاتها إلى استراتيجية، مما أربك حلفاءه في أوروبا، وفي الشرق الأوسط لأنَّ التكتيك صفته التغير لملاءمة الظروف، ولا يمكن لدولة مهدَّدة في أوروبا أو الشرق الأوسط رسم سياساتها على وقع هذا التكتيك. فترمب دخل حرباً مع إيران معتقداً أنها ستنتهي في أسابيع، تماماً كما اعتقد بوتين في أوكرانيا، فإذا به يقف عاجزاً عن التصعيد، ومتحيراً في التكتيك، ومكبلاً بمتطلبات السياسة الداخلية الأميركية، ومنزعجاً من التغيرات في سلوكيات حلفائه الأوروبيين الذين لم يعودوا يفعلون ما يؤمرون، بل يتحركون وفق مصالحهم البحتة، ولو كان على حساب التحالف الاستراتيجي التاريخي مع الولايات المتحدة. ففي أوروبا انزعج الأوروبيون من تقلبات ترمب، واصطفافه مع بوتين، وتكونت لديهم قناعة أنه لا بد من قوة أوروبية تحفظ المصالح، وتتأسس على التشابه في الأنظمة الديمقراطية والليبرالية لتنضم تحت هذه اللافتة دول خارج الإقليم الأوروبي مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا.

هذا التحول الأوروبي لم يكن طوعياً، بل هو إجباري، لأن ترمب ومعه حركة «لنجعل أميركا قوية»، يريدان إعادة تركيب أوروبا بإبعادها عن الليبرالية، واستعادة هويتها المسيحية، ولذلك تلقى الأحزاب اليمينية المتشددة في أوروبا دعماً غير مسبوق من القيادة الأميركية. وكل المؤشرات تؤكد أن اليمين المتشدد الأوروبي تتوسع قاعدته الشعبية، وطروحاته السياسية لا تختلف عن طروحات تيار «لنجعل أميركا قوية»؛ لهذا أعلنت أليس فايدل، زعيمة حزب «البديل» في ألمانيا، ونظيرتها مارين لوبان في فرنسا، وآخرون في دول أوروبية، أن الدعم المالي لأوكرانيا تجاوز سقف الممكن، وأنَّ الاستمرار سيرهق المواطن الألماني مالياً، وربما يجر البلاد لحرب مع روسيا. هذه المواقف تتلاقى مع الموقف الأميركي أن روسيا بلد مسيحي ويمكن أن يكون حليفاً وليس عدواً، وقد ينضم إلى المعسكر الغربي ضد الصين، المهدِّد الحقيقي لموقع الولايات المتحدة.

لا شك أنَّ حرب أوكرانيا مفصلية لأنَّ تطوراتها تنطوي على تغييرات مهمة في أوروبا وأميركا والعالم. فإذا وصل اليمين المتشدد الأوروبي للسلطة، ونفَّذ وعوده الانتخابية، فلن تتابع أوروبا مشروع الاستقلال الاستراتيجي، بل ستصبح أقل تماسكاً، وأكثر تناحراً. وإذا تمكنت التيارات الأوروبية الليبرالية من الفوز، فالاستقلال الاستراتيجي سيتحقق، وستصبح أوروبا قوة جبارة في عالم يتشكل أمام أنظارنا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد