لم تعد ميليشيا الحوثي مجرد جماعة مسلحة تمرّدت على الدولة اليمنية وانقلبت على مؤسساتها، بل تحوّلت إلى أداة تهديد تتجاوز حدود اليمن إلى المنطقة برمّتها، وذراعٍ لمشروع وجد في الفوضى وسيلةً، وفي الدماء طريقًا لتحقيق المصالح، وفي معاناة الشعب اليمني ثمنًا لتحقيق أهدافه.
لقد تركت هذه الميليشيا في اليمن سجلًا مثقلًا بالانتهاكات والجرائم التي يندى لها الجبين، من قتل المدنيين وترويع الآمنين إلى تقويض مؤسسات الدولة وانتهاك كرامة الإنسان اليمني، حتى أصبح شعب عريق يدفع فاتورة مشروع لا يمثل إرادته ولا يعكس تاريخه وقيمه. وما حلّ باليمن من خراب ودمار ليس مجرد نتيجة لصراع على السلطة، بل شاهد على خطورة تحويل الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
والأخطر من جرائم الميليشيا ذاتها تلك الأطراف التي تمدّها بأسباب البقاء، وتتعامل معها بوصفها ورقة ضغط يمكن تحريكها كلما اقتضت المصالح السياسية ذلك. فالمشروع الذي اتخذ من الحوثي إحدى أدوات نفوذه في المنطقة يجد في هذه الميليشيا متنفسًا كلما اشتدت عليه الضغوط وضاقت أمامه الخيارات، وكأن استقرار اليمن وأمن المنطقة أوراق قابلة للمساومة على طاولة الصراعات.
وفي هذا السياق، كشف اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، أن ميليشيا الحوثي حصلت على تقنيات عسكرية متقدمة بمساعدة "أطراف إقليمية" مكّنتها من امتلاك صواريخ باليستية وطائرات هجومية وانتحارية وزوارق سريعة مفخخة، مؤكدًا مسؤولية المجتمع الدولي عن منع الجماعات الإرهابية من الحصول على هذه التقنيات والأسلحة المتقدمة. ولعل استخدام صيغة الجمع في وصف تلك الأطراف دون تسميتها يفتح باب التساؤل حول امتداد شبكات الدعم ومسؤولية الجهات التي تقف خلفها.
وحين تحصل جماعة خارجة عن سلطة الدولة على تقنيات عسكرية متقدمة وقدرات تسليحية تتجاوز إمكاناتها التقليدية، فإن السؤال لا يقف عند حدود من يطلق السلاح، بل يمتد إلى من يوفّره ويدعم استمراره، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تداعياته. فالسلاح الذي يُوجّه لتهديد الدول والملاحة البحرية والممرات الدولية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا، بل تهديدًا تتسع آثاره لتطال أمن المنطقة ومصالح العالم.
ومن الخطأ الاستراتيجي أن تتوهم بعض الأطراف الإقليمية أن الميليشيات أدوات مضمونة النتائج، أو أن تغذية الفوضى خارج حدودها تمنحها حصانة من ارتداداتها. فالتاريخ السياسي يحمل شواهد كثيرة على أن القوى التي تستثمر في الفوضى قد تصبح يومًا أسيرة لتداعياتها، وينقلب السحر على الساحر، وأن السلاح الذي يُستخدم لتهديد أمن الدول وزعزعة استقرارها قد تنقلب تداعياته على من موّله ورعاه، وتصبح عواقبه أشد خطورة على الأطراف التي أسهمت في وصوله إلى أيدي الميليشيات.
إن أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها ليسا مجالًا للاختبار أو المساومة، كما أن استهداف أمن المنطقة وتهديد الملاحة الدولية لا يمكن أن يظلا خارج دائرة المساءلة الدولية، وفي مقدمتها مسؤولية مجلس الأمن الدولي. والمملكة، بما تملكه من ثقل سياسي وقدرات دفاعية ومكانة دولية، تدرك طبيعة هذه التهديدات، وتتعامل مع أمنها واستقرارها بوصفهما مسؤولية سيادية لا تقبل التهاون.
والمسألة في جوهرها تتجاوز ميليشيا الحوثي إلى مسؤولية الأطراف التي تغذّي أسباب الفوضى وتمنح أدواتها القدرة على الاستمرار، فليس كل من يصنع الفوضى قادرًا على احتواء تداعياتها، ولا كل من يحرّك أدواتها يملك التحكم في مآلاتها. ومن يراهن على الميليشيات لتحقيق مكاسب سياسية قد يجد نفسه أمام ثمن باهظ ترتدّ عواقبه عليه.
فالأطراف التي تغذّي الفوضى اليوم وتراهن على الميليشيات لتحقيق مصالحها قد تجد نفسها غدًا أمام تداعيات تعجز عن احتوائها. فليس كل من يدعم أدوات الصراع قادرًا على التحكم في مساراتها، ولا كل من يسهم في زعزعة استقرار الآخرين بمنأى عن عواقب رهاناته. وحين تتبدّل الحسابات وتتغيّر موازين المصالح، قد ترتدّ نتائج تلك السياسات على أصحابها، لتصبح كلفة العبث بأمن المنطقة واستقرارها أكبر مما قدّروا وأبعد مما تصوّروا.

