في منشور على منصة «إكس» يوم 15 أكتوبر الجاري، ربط علي أكبر ولايتي بين أزمة الحجاب في مدارس أذربيجان وعلاقات باكو بإسرائيل، متسائلاً عن الاختيار بين الحفاظ على الإيمان والصداقة مع تل أبيب، ثم شكك في أهلية أذربيجان لاستضافة القمة المقبلة لمنظمة التعاون الإسلامي.
بهذا الربط، كشف مستشار المرشد الإيراني أن القضية التي تشغله تتجاوز لباس الطالبات إلى استقلال القرار الأذربيجاني، وأن الخطاب الديني يُستخدم لامتحان سياسة دولة مستقلة وفق معايير تضعها طهران.
وإدخال إسرائيل في خلاف مدرسي يكشف غاية التدخل، إذ يريد ولايتي أن يجعل علاقة لا ترضى عنها إيران عبئاً على باكو أمام مجتمعها، وأن يوحي بأن التمسك بها يضع الدولة في خصومة مع إيمان مواطنيها. وإذا قُبلت هذه المعادلة، فلن تتوقف عند الحجاب، وإنما ستعود مع كل خلاف لتطالب الأذربيجانيين بإثبات إسلامهم عبر تعديل خياراتهم الخارجية، وكأن الجوار يمنح طهران حق الوصاية، ويجعل استقلال الآخرين مقبولاً ما دام لا يصطدم بإرادتها.
ويطرح هذا التدخل سؤالاً عن أسباب انشغال إيران بإيمان جيرانها وهي تحت أعباء المواجهة مع الولايات المتحدة وضغوط الداخل الاقتصادية والأمنية، لكن المفارقة تتراجع حين نقرأ تصدير الضغط باعتباره جزءاً من إدارة المأزق. فإشغال الدول المحيطة بأمنها ينقل إليها بعض أعباء الصراع، ويستهلك اهتماماً وموارد كان يمكن تخصيصها لحماية مصالحها ومتابعة ما يجري داخل إيران، بينما تكتسب طهران أوراقاً إضافية للمساومة، وتُبلِغ المنطقة بأن أزمتها لن تبقى داخل حدودها.
وفي الحالة الأذربيجانية، ثمة سجل أمني يمنح هذا التقدير وزنه، بعدما اتهمت باكو إيران، في 5 مارس الماضي، بإرسال مسيّرات إلى إقليم نخجوان الأذربيجاني، وقالت إن الهجوم أصاب أربعة أشخاص وألحق أضراراً بالمطار، فيما نفت طهران مسؤوليتها. ثم أعلن جهاز أمن الدولة الأذربيجاني إحباط مخططات نسبها إلى الحرس الثوري، شملت استهداف خط باكو–تبليسي–جيهان، وكشف مخابئ متفجرات وتكليفات بالاستطلاع والتحضير لاغتيالات، بما يُظهر أن باكو قادرة على كشف أدوات الاختراق وتعطيلها، لا الاكتفاء بتلقي التهديد. هكذا تأتي موعظة ولايتي فوق علاقة مثقلة بمخاوف أمنية، لا فوق خلاف عابر في تفسير قضية دينية.
وحين أعقب الاتهامَ اتصالٌ من الرئيس الإيراني بنظيره الأذربيجاني لنفي المسؤولية والتعهد بالتحقيق، برز الإنكار أداة لاحتواء خطر مواجهة إضافية. وفي تقديري، تحاول طهران بهذه الطريقة الفصل بين أثر التهديد وتبعات تحمّله، فتستفيد مما يتركه الاعتداء من قلق، وتتجنب إقراراً رسمياً يزيد كلفة التراجع ويمنح المطالبة بالرد زخماً أكبر، وهو سلوك يكشف إدراكها أن الضغط على باكو قد يستدعي عواقب لا تريد إضافتها إلى أعبائها.
وتتداخل هنا الرغبة في معاقبة أذربيجان على خياراتها، ومحاولة ردعها عن تعميق العلاقات التي تزعج إيران، والسعي إلى إشغالها داخلياً بما يزاحم اهتمامها بحماية الحدود والمصالح. هذه الغايات تخدم سياسة تريد توسيع نطاق الإكراه من دون تحمل كامل كلفته، وتستخدم الاعتداءات على المحيط وتحركات الأذرع المرتبطة بها لإقحام دول أخرى في حسابات الصراع، ثم تستثمر القضايا الدينية لإضافة ضغط سياسي واجتماعي إلى الضغط الأمني.
ومصدر الضيق أن أذربيجان تتصرف بوصفها دولة صاحبة قرار، ولا ترى في موقعها الجغرافي التزاماً بطلب الإذن قبل بناء علاقاتها. لذلك يحاول خطاب ولايتي إخراج الخلاف من مناقشة المصالح إلى التشكيك في الشرعية الدينية للخيارات، مستدعياً المجتمع إلى مواجهة مع دولته، ومقدماً التدخل الإيراني بوصفه غيرة على الإيمان، بينما وظيفته السياسية حمل باكو على مراعاة إرادة طهران في قرارات لا تملك طهران حق اتخاذها عنها.
وعلى المسار الإخواني، دخل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي أسسه يوسف القرضاوي ويؤدي دوراً في منح المشروع الإخواني غطاءً دينياً، إلى الأزمة ببيان أبرزَه موقع «إخوان أونلاين»، مستحضراً مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر. الأول مؤسس الجمهورية التركية ورمز إنهاء نظام الخلافة، والثاني الرئيس المصري الذي خاضت الجماعة معه صراعاً على السلطة والمشروع السياسي انتهى بحظرها وملاحقة تنظيمها، وهما تجربتان مختلفتان يجري جمعهما لتحميل باكو خصومات تاريخية لم تكن طرفاً فيها.
ويخدم هذا الاستدعاء التعبئة أكثر مما يفسر الواقع الأذربيجاني، فالصراع مع عبد الناصر لا يُختزل في علمانية الدولة، كما أن التجربة الكمالية لها سياقها الخاص، أما مرونة الجماعة تجاه البيئات العلمانية التي تتيح لها الحركة، فتوضح أن الخصومة لا يفسرها وصف النظام وحده، وإنما تتصل أيضاً بمقدار ما يسمح به من نفوذ سياسي وديني؛ وحين تستقل الدولة بقرارها، يصبح استدعاء معارك الماضي وسيلة لإلباس الخلاف معها ثوب مواجهة على العقيدة.
ويلتقي المساران الإيراني والإخواني عند تحويل الحساسية الدينية إلى نفوذ، وإن اختلفت حساباتهما وتنافسا على الجمهور، فطهران تستهدف القرار الخارجي، والمشروع الإخواني يسعى إلى امتلاك حق التحدث باسم المتدينين والتأثير في خياراتهم، وقد تدفع المزايدة بينهما إلى توسيع الضغط، حتى يتحول خلاف داخلي إلى معركة على هوية الدولة، ويصبح التأثير الديني والإعلامي وسيلة لفرض مرجعية سياسية من خارج مؤسساتها.
غير أن الرهان على بقاء باكو في موقع الدفاع يتجاهل أن أذربيجان تمتلك مصفوفة متنوعة من خيارات الرد، تستند إلى قدراتها الأمنية والعسكرية وعلاقاتها الخارجية وموقعها الإقليمي، وتتيح لها تغيير مستوى المواجهة وأدواتها وتوقيتها.
وهذه المصفوفة تمنحها مجالاً لاستدعاء ما يلائم حجم الاستهداف، والبدء في اختبار قدرة الأطراف الأخرى على تحمل نتائج سلوكها، بدلاً من تركها تختبر وحدها حدود الصبر الأذربيجاني.
ولا يشترط هذا الرد أن يكرر أدوات خصومها أو يكشف أوراقه دفعة واحدة، فتنوع الخيارات يسمح بالتدرج والمفاجأة والتمييز بين المحرّض والمنفذ والراعي، كما يمنع الطرف المقابل من الاطمئنان إلى أن المواجهة ستظل داخل الحدود التي اختارها. وقد يجد من استثمر في إشغال باكو أنه بات مضطراً إلى حماية مصالحه من تداعيات تلك المغامرة، وأن الضغط الذي أراد إبقاءه خارج حدوده عاد إليه في صورة أعباء سياسية وأمنية لم يضعها في حسابه.
وهنا تكمن المفارقة الأهم، إذ قد تدفع محاولة معاقبة أذربيجان على استقلالها إلى تأكيد هذا الاستقلال بصورة أشد، وتمنحها أسباباً إضافية لتوسيع قدراتها وتعميق العلاقات التي يُقلق المتدخلين اقترابُها منها. عندئذ تنتج الحملة عكس غايتها، فتقوي الموقف الذي أرادت إضعافه، وتقلص ما تبقى لأصحابها من ثقة وتأثير، بينما تتحول الأدوات المستخدمة للضغط إلى أعباء على رعاتها.
ومن الصعب افتراض أن القيادة الأذربيجانية لا تقرأ هذه الحسابات أو تميز أصحابها، ولذلك يقع السؤال في الجهة المقابلة، حيث ينبغي لمن بدأ التدخل أن يحسب كيف ستتعامل باكو مع استهداف سيادتها، وألّا يخلط بين ضبط النفس والعجز أو بين عدم إعلان الرد وغياب خياراته.
أذربيجان لا تحتاج إلى شهادة إيمان من طهران أو تفويض أيديولوجي من الإخوان، وعلى من يحاول تحويل داخلها إلى ورقة في يده أن يحسب قدرته على دفع الفاتورة، لا سهولة إطلاق الحملة وحدها.

