ليلة ابتهج العالم محتفلًا برحيل العام 1998، كان في الآن نفسه يستقبل سلفه متوجسًا مما في جعبة عام تردد أنه آخر أعوام حياة البشر على سطح الكوكب. تاريخيًا، يمكن القول إن التوجس بدأ يتنفس مع بدء العقد الأخير لألفية الميلاد الثانية، إذ انطلق زاعمو وثيق المعرفة بعلوم الفَلَك، ومُدَّعو امتلاك مفاتيح التنبؤ بالغيب، وواضعو كتب التوقعات، يُضاف إليهم وإليهن محررو ومحررات أعمدة "الأبراج"، أو "حظك اليوم" في الصحف والمجلات، انطلق هؤلاء جميعًا في رحلة ترويج لزعم قال إن منتصف ليل كانون الأول (ديسمبر) من عام 1999 سوف يشهد نهاية العالم. أسوأ ما رافق ذلك الترويج، آنذاك، كان توظيف الدين لخدمته من قِبل بعض الدعاة المنتمين لمختلف الأديان، فقد أخذ جُلهم يصرخ بأن الألفية الثانية لا ثالث لها، من دون أي استناد لمرجع ديني موثوق. بيد أن سجلات وثائق التاريخ تقول أيضًا إن معظم حكومات دول العالم، وربما كلها قاطبة، أقدمت تلك الليلة على اتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية، منها، مثلًا، إلغاء أي إقلاع أو هبوط لكل طائرات الخطوط الجوية خلال أوقات محددة تلك الليلة وإلى وقت محدد من طلوع فجر أول أيام كانون الثاني (يناير) عام 2000. نعم، حصل هكذا إجراء، وغيره مما يماثله، لسبب منطقي واضح خلاصته أن البرمجة الكومبيوترية للانتقال إلى العام 2000 كانت تفرض مثل تلك الإجراءات.
لماذا أستعيد تلك الأجواء فيما يقترب رحيل 2026، وهو العام السادس في العقد الثاني من الألفية الثالثة؟ الواقع أن الاستدعاء حصل بغير استئذان مني، بل قفز من قاع بئر الذاكرة فور سماعي خبر رحيل جيفري آرتشر عن عمر ناهز ستة وثمانين عامًا يوم الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. اللورد آرتشر، كما تعلمون، سياسي وكاتب وروائي بريطاني يستحق حمل وصف "أشهر من نارٍ على عَلَم" الدارج على ألسنة الناس، فهو كذلك فعلًا في مجالات عدة، إنما ليست كلها ذات بريق وهاج. وقع الاستدعاء لأنني عِشتُ انقضاء ليل العام 1999، وانبلاج أول أيام سنة 2000، ومن ثم انفضاح أكذوبة فناء العالم تلك الليلة، صحبة عدد من الصِحاب والأصدقاء وزملاء المهنة في "بلاط صاحبة الجلالة"، تلبية لدعوة من الأستاذ عثمان العمير إلى حفلة أقامها في شقة فاخرة يُعَرِّفها قاموس العقار البريطاني بمصطلح "PENTHOUSE"، أي "الشقة- المنزل"، كونها تقع فوق كامل سطح برج ذي علو شاهق، وكان العمير يستعيرها مؤقتًا من مالكها، وهو أحد أصدقائه في أوساط كبار رجال "البزنس" العرب المعروفين دوليًا، لحين إنجاز أعمال إصلاح كانت تجري في شقته، "البنتهاوس" أيضًا، بحي نايتسبردج الراقي، على بعد بضعة أمتار من مبنى المتجر العالمي هارودز، وهي جيرة لم يكن العمير يرتاح لها كثيرًا.
أما "الشقة- المنزل"، حيث التأم الحفل، فكانت تطل على نهر التيمز، ومن شرفتها "البانورامية" بوسع الناظر أن يرى بعض أبرز معالم بريطانيا الشهيرة في أنحاء الأرض كلها، مثل ساعة بيغ بن، وكذلك مقار أعمدتها الديمقراطية، كما مبنى مجلس العموم في قلب حي الحكم ويستمنستر، وكان الجمع المُلبي دعوة العمير ليلتها يضم أغلب النجوم البارزين في فضاء صحافة لندن العربية آنذاك، وربما كلهم، باختلاف مشاربهم، إضافة إلى عدد من ساسة بريطانيا ونجوم فليت ستريت، شارع صحافتها "الأشهر من نار على علم" حقًا، وعلى صعيد دولي. ما لم يكن معلومًا لأي من حضور الحفل ليلتها أن اللورد جيفري آرتشر كان جارًا لهم يقطن في شقة تقع مباشرة تحت "البنتهاوس" في البناية ذاتها. اتضح ذلك عندما سُمع طَرْقٌ قوي على الباب، فإذا بمبعوث من اللورد آرتشر يحتج على علو الضجيج الآتي من حفلنا، قائلًا إنه شديد الإزعاج له ولضيوف حفله هو أيضًا. بالطبع، اعتذر مُضيفنا لمندوب اللورد، وتواصلت الحفلة حتى ما بعد دقات بيغ بن عند انتصاف ليل كانون الأول (ديسمبر) 1999، حينما بدأ ضيوف حفل العمير ينسلون واحدًا بعد الآخر عائدين إلى بيوتهم.
يبقى أن أختم مقالة استدعتها وفاة اللورد آرتشر من بئر ذاكرتي، بتذكير أُرَجِّح أنه ليس غائبًا عن ذواكر أترابي سنًا، وخلاصته ارتباط اسم آرتشر بعدد من القضايا الملتهبة في إقليم الشرق الأوسط الملتهب دائمًا بحروب تبدو بلا نهايات لها على الإطلاق، ومن أبرزها قضية أكراد العراق، الذين تأثر اللورد آرتشر بمعاناتهم، وانطلق يدافع بحماسة عن مشروعية توفير "الملاذ الآمن" لهم في شمال العراق، ثم يشرف على حملات جمع التبرعات لصالحهم، حتى فاق ما تم توفيره مبلغ خمسة وسبعين مليون جنيه إسترليني. اعترافًا بجهوده تلك، وتقديرًا لها، أقدم جون ميجور، رئيس الوزراء الأسبق، على ترشيح جيفري آرتشر لعضوية مجلس اللوردات. نعم، صحيح أن ملف تلك التبرعات صار موضع تحقيق رسمي لاحقًا، بعدما تردد صراخ جهات عدة طَفِقت تزعم أن "هناك مبالغ مفقودة". لكن ذلك لن يلغي حقيقة تعاطف اللورد آرتشر الإنساني مع القضية الكردية، فيما يبقى الحكم التاريخي على مسيرة الرجل السياسية والإبداعية والذاتية، ملكًا لمحكمة التاريخ وحدها.


