إيلاف من لندن: لم يعد السؤال لدى كثير من الإيرانيين ماذا يشترون، بل ما الذي يستطيعون الاستغناء عنه حتى يكفي الدخل للطعام والإيجار والعلاج. فمع ارتفاع أسعار الغذاء بنحو 130% على أساس سنوي في سبتمبر، وفقدان الريال نحو 35% من قيمته أمام الدولار منذ يوليو، وفق التقارير الواردة في المادة، تتسع المسافة بين ما تتقاضاه الأسر وما تحتاج إليه للعيش، وتتحول الأزمة الاقتصادية إلى حسابات يومية لا تحتمل التأجيل.
وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز» في 29 أيلول (سبتمبر) 2026، يواجه إيرانيون صعوبات متزايدة في شراء الاحتياجات الأساسية وتسديد الإيجارات، بينما يضطر أصحاب مشروعات إلى تقليص أرباحهم لأن زبائنهم لم يعودوا قادرين على تحمل زيادات جديدة في الأسعار. وبين المستهلك الذي يحاول حماية ما تبقى من راتبه وصاحب المشروع الذي يخشى خسارة زبائنه، تتكشف ضغوط اقتصاد يجمع بين التضخم المرتفع وتراجع العملة وتداعيات الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن العقوبات والاختلالات العميقة التي كان يعاني منها أصلاً.
لم تعد هذه الضغوط محصورة في أرقام المؤسسات المالية أو تقارير سوق الصرف. إنها تظهر على موائد الطعام، وفي تكاليف المنازل والرعاية الصحية، وفي فرص العمل وقدرة المواطنين على التخطيط لمستقبلهم.

التضخم يلتهم الرواتب والحرب والعقوبات تضاعفان الضغوط
أرقام ثقيلة
تعكس المؤشرات الواردة عن سبتمبر حجم الضغوط التي تواجهها الأسر الإيرانية. فوفق مركز الإحصاء الإيراني، بلغ التضخم السنوي 73.6%، فيما وصلت زيادة الأسعار مقارنة بسبتمبر 2025 إلى 89.8%.
وفي الغذاء، كان الارتفاع أشد: نحو 130% مقارنة بالعام السابق، وفق «رويترز». أما النشاط الاقتصادي، فتشير تقديرات صندوق النقد الدولي المنشورة إلى انكماشه بنسبة 6.1% خلال 2026.
| المؤشر | النسبة | المصدر الوارد |
| التضخم السنوي في سبتمبر 2026 | 73.6% | مركز الإحصاء الإيراني |
| ارتفاع الأسعار مقارنة بسبتمبر 2025 | 89.8% | مركز الإحصاء الإيراني |
| ارتفاع أسعار الغذاء في سبتمبر مقارنة بالعام السابق | نحو 130% | رويترز |
| الانكماش الاقتصادي المتوقع خلال 2026 | 6.1% | صندوق النقد الدولي |
وتقيس هذه الأرقام مؤشرات وفترات مختلفة؛ فلا تمثل جميعها تغيراً وقع خلال شهر واحد، كما أن تقدير انكماش الاقتصاد يظل توقعاً للسنة، وليس نتيجة نهائية لها.
أما أثرها على الأسر، فيظهر في قدرتها على الشراء: حين لا ترتفع الدخول بمعدلات تقترب من زيادة الأسعار، يصبح الراتب قادراً على تأمين كميات أقل من السلع والخدمات، حتى لو بقيت قيمته الاسمية ثابتة. وهكذا، قد يتقاضى الموظف المبلغ نفسه، لكن ما يستطيع حمله إلى منزله بهذا المبلغ يتناقص.
مائدة تتقلص
في الأسواق ومحال المواد الغذائية، تبدو الأزمة أكثر التصاقاً بالحياة اليومية. فارتفاع أسعار الغذاء بنحو 130% على أساس سنوي، بحسب تقرير «رويترز» في سبتمبر، يتجاوز التضخم العام، ويضع الإنفاق على الطعام في صدارة الأعباء التي ترهق الأسر.
وتشير تقارير «دويتشه فيله» إلى أن بعض الأسر الإيرانية اضطرت إلى تقليل استهلاك اللحوم الحمراء، ثم الدجاج، بينما بات معظم الدخل يذهب إلى الغذاء والسكن، على حساب الادخار والاحتياجات الأخرى.
وفي شهادة نقلتها «دويتشه فيله» في آب (أغسطس)، قالت ربة منزل إيرانية تُدعى مينا إنها لم تعد تتذكر آخر مرة اشترت فيها اللحوم الحمراء، وإن أسرتها أصبحت تركز على تدبير الإيجار والطعام.
وتوضح هذه الشهادة كيف تتغير أولويات الإنفاق تحت ضغط الغلاء. فما كان متاحاً على المائدة يصبح أقل حضوراً، وما كان يُخصص للادخار أو لتلبية احتياجات أخرى يُعاد توجيهه إلى الضروريات.
ولا تقتصر هذه التحولات على الفئات الأشد فقراً؛ إذ باتت الضغوط تطاول شرائح من الطبقة الوسطى كانت تستطيع سابقاً تحمل تكاليف حياة أكثر استقراراً، قبل أن تضطر إلى مراجعة ما تشتريه وما تؤجله وما تستغني عنه.

يتابع أسعار العملات أمام محل صرافة في إيران، حيث يضغط تراجع الريال على الرواتب والمدخرات.
راتب يطارد الأسعار
يزيد تراجع العملة الإيرانية صعوبة هذه المعادلة. ففي تقرير مصور نشرته «رويترز» في تشرين الأول (أكتوبر) 2026، وصل سعر الدولار في السوق الحرة إلى نحو 270 ألف تومان، بعدما كان في حدود 250 ألف تومان قبل ذلك بأسبوع تقريباً.
وأفادت الوكالة في 14 تشرين الأول (أكتوبر) بأن الريال فقد نحو 35% من قيمته أمام الدولار منذ تموز (يوليو)، وفق بيانات سوق الصرف.
ولا تنحصر آثار هذا التراجع في أسعار السلع المستوردة. فتبدل سعر الصرف يضغط أيضاً على تكاليف الإنتاج المحلي حين يعتمد على مواد خام أو معدات أو تكاليف نقل مرتبطة بالأسعار العالمية، لتصل الضغوط إلى سلع تُنتج داخل البلاد.
وبالنسبة إلى المواطن الذي يتقاضى راتبه بالريال، تتراكم الأعباء من أكثر من جهة: دخل محدود، وأسعار تتحرك بسرعة، ومدخرات تفقد جزءاً من قوتها الشرائية. فلا تقتصر المشكلة على تدبير مصروف الشهر، بل تمتد إلى ما استطاعت الأسرة الاحتفاظ به لمواجهة احتياجاتها المقبلة.
الإيجار يزاحم الطعام
خارج أسواق الغذاء، تستهلك الإيجارات وتكاليف الرعاية الصحية والسلع الأساسية حصة متزايدة من ميزانيات الأسر، فتضيق المساحة المتاحة لأي إنفاق آخر.
وفي تحقيق نشرته «رويترز» أواخر سبتمبر، وردت حالة مهندس اضطر إلى مغادرة طهران بسبب ارتفاع الإيجار. وفي التحقيق نفسه، تحدث صاحب مطعم عن اضطراره إلى البيع بهامش ربح ضئيل خشية فقدان زبائنه.
وتكشف الحالتان جانبين متصلين من الأزمة: أسرة تعيد النظر في مكان إقامتها بعدما أثقلها السكن، ومشروع يحاول الإبقاء على زبائنه ولو بأرباح أقل.
وتغذي هذه الظروف دائرة اقتصادية صعبة. فحين يقل إنفاق المستهلكين، تنخفض مبيعات المشروعات، وتتقلص أرباحها، وتضعف قدرتها على التوظيف أو زيادة الأجور. وبذلك تعود الضغوط إلى دخول الأسر وفرص العمل، لتزداد صعوبة استعادة القدرة على الإنفاق.
وتشير تقارير صحافية إلى مخاوف من انزلاق ملايين إضافية من الإيرانيين إلى الفقر، لكن تقديرات أعداد المتضررين تختلف باختلاف منهجية القياس والفترة الزمنية التي تغطيها. لذلك، لا تعني هذه المخاوف وجود رقم واحد متفق عليه لحجم المتضررين.

رجل يحمل طبقاً من البيض داخل متجر للمواد الغذائية في إيران، فيما يستنزف ارتفاع أسعار الطعام ميزانيات الأسر.
النفط تحت الضغط
وراء الضائقة المعيشية، تتعرض مصادر الدخل الخارجي لضغوط تزيد صعوبة التعامل مع الأزمة. فإيران تعتمد بصورة مهمة على عائدات النفط لتوفير النقد الأجنبي وتمويل الإنفاق العام، ما يجعل تراجع الصادرات عبئاً إضافياً على الموازنة الحكومية والعملة المحلية.
ووفق «رويترز» في 14 أكتوبر، أظهرت بيانات شركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة أن صادرات إيران البحرية من النفط الخام تراجعت إلى الصفر في الأسبوع الثاني من سبتمبر، وظلت عند ذلك المستوى حتى 5 تشرين الأول (أكتوبر).
ويتعلق هذا المؤشر بالصادرات البحرية من النفط الخام ضمن الفترة المذكورة، ولا يعني بالضرورة توقف جميع أشكال الصادرات الإيرانية.
كما يحذر البنك الدولي من أن النزاع العسكري والعقوبات وتعطل التجارة وتضرر البنية التحتية تزيد الضغوط على الاقتصاد، وترفع مخاطر نقص السلع الأساسية وارتفاع أسعار الغذاء.
وهكذا تتقاطع الضغوط على موارد الدولة والتجارة والإنتاج مع ما تواجهه الأسر في الأسواق، في اقتصاد تثقل عليه الحرب والعقوبات فوق اختلالاته السابقة.

عدّ أوراق نقدية إيرانية إلى جانب قطع ذهبية، وسط تآكل القوة الشرائية للعملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
انهيار أم تدهور؟
مع اشتداد هذه المؤشرات، ترفض السلطات الإيرانية وصف الاقتصاد بأنه منهار. ففي 14 تشرين الأول (أكتوبر)، قال محافظ البنك المركزي الإيراني، خلال اجتماعات لصندوق النقد الدولي في بانكوك، إن الحديث الأميركي عن انهيار الاقتصاد الإيراني لا يعكس الواقع.
وأوضح أن البنك المركزي يعطي الأولوية لكبح التضخم والحفاظ على استقرار النظام المالي وتوفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد الأدوية والسلع الأساسية. وأطلقت السلطات أيضاً برنامجاً لضخ ما يصل إلى ملياري دولار لدعم الريال.
وفي المقابل، تشير تقارير «رويترز» إلى أن الحياة الاقتصادية لم تتوقف بالكامل. فالأسواق والمتاجر لا تزال تعمل، والسلع متوافرة في عدد من المناطق، لكن وجودها لا يحل المشكلة الأساسية لدى كثير من المواطنين: القدرة على دفع ثمنها.
وهنا يبرز الفارق بين انهيار مؤسسات الاقتصاد بالكامل والتدهور الحاد في مستوى المعيشة. فاستمرار البيع والشراء لا يلغي الضائقة التي تعيشها الأسر، كما أن اتساع الضغوط المعيشية لا يعني أن جميع القطاعات توقفت أو أن جميع الأسر تواجه الظروف نفسها.
وتشير الأدلة الواردة في التقارير إلى ضغوط واسعة على المعيشة، مع تفاوت آثارها بين المواطنين والقطاعات، بينما تتمسك السلطات بقدرتها على إدارة التضخم والنظام المالي وتأمين الواردات الضرورية.
أشهر حاسمة
يرتبط مسار الاقتصاد الإيراني خلال الأشهر المقبلة باستمرار الحرب أو تراجع حدتها، ومستقبل العقوبات والحصار البحري، وقدرة البلاد على استعادة صادرات النفط والتجارة الخارجية.
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى انكماش كبير في النشاط الاقتصادي خلال 2026، بينما يحذر البنك الدولي من أن استمرار النزاع واضطراب سلاسل الإمداد قد يزيدان الضغوط على الدخل والأسعار. وتبقى هذه تقديرات وتوقعات، لا حصيلة نهائية للسنة.
وفي حال تخفيف القيود التجارية وتحسن الاستقرار، يمكن أن تتراجع حدة بعض الضغوط على العملة والأسعار. لكن استعادة الأسر قوتها الشرائية قد تتطلب وقتاً أطول، خصوصاً إذا لم ترتفع الأجور الحقيقية وتتحسن فرص العمل.
فانخفاض حدة الضغوط لا يعني بالضرورة أن الدخل استعاد فوراً ما فقده، ولا أن الأسر أصبحت قادرة مباشرة على العودة إلى مستويات إنفاقها السابقة.
حساب آخر الشهر
في قلب الأزمة الإيرانية تتسع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة. العامل الذي يتقاضى راتباً ثابتاً، والمتقاعد الذي يعتمد على معاش شهري، وصاحب المتجر الذي تتراجع مبيعاته، يواجهون جميعاً آثار التضخم، وإن بدرجات متفاوتة.
وتشير الشهادات الميدانية إلى أن عدداً متزايداً من الأسر يعيد ترتيب أولوياته، مقدماً الطعام والإيجار والعلاج على الادخار والترفيه والمشتريات غير الضرورية.
وبين أسعار ترتفع وعملة تتراجع ومشروعات تضيق هوامش أرباحها، تصبح قدرة الأسرة على تدبير احتياجاتها المقياس الأقرب إلى حياتها اليومية. فلم يعد السؤال الاقتصادي الأهم بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين مقدار النمو الذي ستحققه البلاد، بل مقدار ما يبقى من قدرتهم على الشراء عندما يصل الشهر إلى نهايته.


