: آخر تحديث

غازي القصيبي في عين عاصفة اليمن

4
4
3

كلما قرأتُ ما يكتبه المبرّرون العرب لصواريخ الحوثي ومسيّراته التي تضرب الرياض وتهدّد مكة والمدينة، تمنيتُ أن يكون غازي القصيبي بيننا، فكم من حجّة يردّدونها اليوم سبق أن واجهها وفنّدها!

عدتُ إلى كتبه، فاكتشفتُ أنه عرف اليمن مستشارًا قانونيًا في لجنة السلام في الستينيات، ثم درس ثورته في أطروحته للدكتوراه عام 1970. ومن هذه التجربة أستحضره شاهدًا على التزام المملكة بدعم اليمن وأمنه واستقراره. وفي كتاب "في عين العاصفة" تصدّى لتوظيف فلسطين في تبرير غزو الكويت، وفي كتاب "حتى لا تكون فتنة" ناقش استغلال الدين في الصراع السياسي.

رحل غازي، لكن أساليب التبرير التي واجهها ما زالت تتكرر، تتغيّر أسماء المشاريع، ويبقى توظيف القضايا الكبرى لتبرير الاعتداء وتجاوز الحدود. واليوم نقرأ مشروعًا إيرانيًا يرفع راية فلسطين، وذراعًا حوثية تضرب السعودية، وأصواتًا عربية تجد للمعتدي عذرًا وللمعتدى عليه تهمة. فماذا نجد في شهادة غازي وحججه مما يواجه أساليب التبرير المتجددة؟

وجدتُ في أطروحته عن اليمن ما يعين على الإجابة، فقد استوقفني كيف قرأت قيادة الجمهورية العربية المتحدة الصراع اليمني من خلال مشروعها الناصري، فبالغت في تقدير التأييد لحلفائها، واختزلت مقاومة خصومهم في التدخل الخارجي. وعن خطابها الإعلامي كتب القصيبي: "لم تكن هناك إشارة إلى الملكيين بل فقط إلى "المتسللين"" (ص 176). وهنا يتكرر منطق التبرير نفسه في خطاب الحوثي ضمن المشروع الإيراني: ففي موقع قناة المسيرة التابعة له، تُوصَف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بأنها "حكومة المرتزقة". هكذا تُختزل الحكومة في دعم الخارج لها، ويُتجاهل الاعتراف الدولي بها، أما ارتباط الحوثي براعيه الإقليمي وخدمته لأجندته، فيُقدَّمان باعتبارهما نصرةً ومقاومةً. يختلف السياق، ويبقى المعيار مزدوجًا: الارتباط بالخارج تهمةٌ للخصم، وفضيلةٌ للحليف.

ولم يكتفِ القصيبي بكشف أساليب الدعاية، ففي خلاصات دراسته رصد "المبالغة في تقدير حجم الطرف الذي يساندونه والتقليل من تقديرات تكلفة التدخل" (ص 230). وهنا أقرأ مأزق المشروع الإيراني في اليمن: فالتعويل على قوة الحليف المسلّح لا يغني عن سؤال شرعيته وقدرته على الحكم. قدرته على انتزاع العاصمة لا تمنحه تفويضًا بحكم اليمن، وقدرته على مهاجمة السعودية لا تعني قدرته على بناء دولة. وبين وعود الغلبة وكلفة الصراع على الناس، يظل السؤال الذي تُختبر به الشعارات: ماذا كسب اليمنيون؟

وماذا كسب العراقيون حين غزا صدّام الكويت، ثم استدعى فلسطين لتبرير الغزو؟ هنا انتقلتُ مع غازي من اليمن في الستينيات إلى الخليج في التسعينيات، ومن دراسته إلى مقالاته التي جمعها في كتاب "في عين العاصفة". كتب القصيبي: "ومتاجر بالدماء من يحاول أن يقنعنا أن نضحي بدماء الكويتيين الآن لحماية الدماء الفلسطينية في المستقبل" (ص 118). وفي الصفحة التالية رفض أن يُنسينا الدفاع عن الكويت واجبَ حماية الفلسطينيين، فأغلق باب المتاجرة من الجهتين. وبهذا الميزان أقرأ تبرير الاعتداءات الحوثية باسم فلسطين: أيَّ حقٍّ تمنحه نصرتها في ضرب السعودية وقتل المعتمرين في مطار الملك خالد، وكيف يُطلب من اليمنيين قبول خراب بلادهم باسم قضية لا يقرّبها خرابهم من الحل؟

ولم تكن المتاجرة بفلسطين وحدها موضع نقده، فقد التفت غازي أيضًا إلى مَن احتموا بالحياد، وكتب في مقاله "المحايدون": "قد يكون الحياد أعنف أنواع التدخل وأخطرها وأقل المواقف أخلاقية وأكثرها انتهازية" (ص 17). وأستحضر هنا اتفاق ستوكهولم عام 2018، الذي جاء، بحسب الأمم المتحدة، لتجنّب هجوم على الحديدة وموانئها، حمايةً للمدنيين والإمدادات الإنسانية، وتضمّن التزامات بإعادة انتشار القوات. ليس الاعتراض على حماية المدنيين، بل على أن يصبح وقف القتال بديلًا عن تنفيذ الالتزامات، وقد أقرت الأمم المتحدة في مراجعتها بعد عام بأن إعادة الانتشار الكامل لم تتحقق. وبميزان النتائج أقرأ هذا الاتفاق، وبيانات المنظمات الدولية، ومواقف الدول الوسيطة، وتغطيات القنوات الإعلامية، وتصريحات السياسيين: هل يُطالب المعتدي بوقف اعتدائه، أم يُكتفى بمطالبة المستهدف بضبط النفس؟ وهل تحمي الوساطة اليمنيين وجيرانهم وتُلزم الأطراف بتنفيذ تعهداتهم، أم تتيح للمعتدي فرصةً لإعادة التموضع واستئناف عدوانه؟ هنا أستحضر تحذير غازي: فالحياد، حين يحفظ للمعتدي أدوات عدوانه بدلًا من أن يحدّ منها، قد يصبح تدخلًا لصالحه.

ومن الاحتماء بالحياد إلى الاحتماء بالدين، وجدتُ في كتاب "حتى لا تكون فتنة" تشخيصًا آخر لأساليب التبرير. كتب القصيبي: "وتتطور المشكلة عندما تتلقف الفتوى تيارات سياسية تستغلها لأهداف ومآرب سياسية لم تكن في بال المفتي عندما أصدر فتواه" (ص 185). هنا يميّز غازي بين الفتوى ومآرب مَن يوظّفونها، ويكشف كيف تُنقل سلطتها إلى خدمة مشروع سياسي. ومن هذا الباب أقرأ توظيف الدين في الخطاب الحوثي وخطاب مَن يبرّرون له: بأي حقّ تتحوّل نصرة الجماعة إلى معيار للإيمان، ورفض حربها إلى خذلان للمسلمين؟ إن إلباس القرار السياسي ثوب القداسة لا يعفي أصحابه من السؤال: مَن منحكم حق التضحية باليمنيين وتهديد جيرانهم باسم دينهم؟

بدأتُ أتمنى لو كان غازي القصيبي بيننا، وانتهيتُ إلى أن كثيرًا من ردوده ما زال بين أيدينا، يواجه أساليب التبرير المتجددة. وإلى العرب الذين يبرّرون العدوان الحوثي المدعوم إيرانيًا على اليمن وجيرانه، أو يحتمون بالحياد تجاهه، ولا سيما مَن ما زالوا يحاكمون وقائع اليوم بشعارات البعث والناصرية والإسلام السياسي، أوجّه هذه الدعوة: اقرأوا "في عين العاصفة" و"حتى لا تكون فتنة"، وعودوا إلى دراسته عن اليمن. فبعد كل ما دفعته الشعوب من أثمان، كيف تسمحون لشعارات الأمس بأن تفكّر بالنيابة عنكم؟ اختبروا الوعود بمصائر الشعوب، والشعارات بوجهة السلاح، والمشاريع بما تتركه للإنسان.

وبهذا المعيار، اقرأوا تاريخ السعودية أيضًا، وتجربتها في البناء ودعم التنمية في جوارها منذ عقود، فانشغالها بالتنمية لا يعني عجزها عن حماية ما تبنيه. فإن كنتم تريدون الخير لليمن، فتنافسوا في تعليم أبنائه وتطوير مؤسساته، وانظروا إلى نجاح السعودية بوصفه فرصةً لليمن يستفيد منها، لا سببًا لعدائها وتبرير الاعتداء عليها. فإلى متى تستمر العواصف وتتجدّد الفتن، وإلى متى تبرّرونها وتتركون للشعوب حطامها؟ رحم الله غازي، الذي ترك لليمن في ختام قصيدته "برقية عاجلة إلى بلقيس" هذا النداء:

بلقيسُ! يقتتلُ الأقيالُ فانتدبي
إليهم الهدهد الوفيّ بما اؤتُمِنا

قولي لهم: "يا رجالًا ضيّعوا وطنًا
أما من امرأةٍ تستنقذ الوطنا؟!"


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.