صباحٌ آخر أيها الشعر، أذهب فيه إلى أبي ولا أصل إليه.. ألاحق ظلاله فوق دروب الأمس، وأفتّش عن صوته في ذاكرةٍ جاوزت الخمسين، وما زالت كلما تعبت من العمر تعود إلى ذلك الطفل الذي تركه عند منحدر النخل، ينتظر رجلًا لن يعود.. كأننا لا نكبر يا صديقي إلا لنكتشف أن أكثر الذين أحببناهم لم يغادرونا تمامًا، وإنما اختبأوا في أعمارنا، وصاروا يطلّون علينا كلما أوشكنا أن ننساهم.
صباحك أيها الشعر، يا آخر ما تبقّى لي من طفولتي، وأول ما تعلّمت به معنى الفقد.. صباحك أنت حين استضعفتُ لأجلك قوّتي، فاستقوت بك إنسانيتي، وحين ظننتُ أنني أكتبك لأتخلّص من أحزاني، فاكتشفتُ أنني أكتبك لأمنحها مكانًا آمنًا في قلبي.
أتذكر يا صديقي لقاءنا الأول؟ لم نكن نعرف يومها أن الغربة ستصبح وطننا المشترك، وأننا سنقضي العمر نبحث عن بعضنا في الأشياء التي لا تشبهنا.. كنتُ كلما اغتربتُ فيك لجأتُ إليك، وكلما اغتربتَ فيّ فتّشتُ عنك في قصيدةٍ أخرى.. حتى أدركتُ أن أجمل المدن ما يضيع فيها غريبان فيلجأ كل واحدٍ فيهما لصاحبه..!
عشتُك زمنًا يا صديقي، ولم أطلب منك أن تجعلني سعيدًا، فقد كنتُ أعرف أن السعادة ضيفٌ لا يطيل الإقامة، لكنني أردتُ منك أن تجعلني أكثر قدرةً على الحزن دون أن أفقد محبتي للحياة.. أن أرى في وجوه العابرين شيئًا يستحق الرحمة، وفي انكساراتهم شيئًا يشبه انكساري، وأن أظلّ قادرًا على مسامحة العالم، حتى حين لا أجد فيه ما يستحق المسامحة.
وما زلتُ كما عهدتَني، ذلك الطفل الصباحي الذي تعدّ له أمّه الطبق الفيروزي، فيحمله إلى حبيبته، ويجلسان على حافة الحلم يقتسمان خبز الأيام.. تمنحه القهوة من بخور أنفاسها، والسكر من أصابعها، فيظنّ أن العالم كلّه لا يتجاوز المسافة بين يديها وقلبه.. وما زلتُ أسألها كلما أخافني العمر هل كان الحب سيكفينا لولا الشعر؟ فتضحك، وألوذ بضحكتها منك إليك، كأنني أستعيد بها كل الذين أحببتهم ولم أستطع الاحتفاظ بهم.
أعترف لك أنني تعبتُ قليلًا يا صديقي من كثرة ما مرّ بي وأنا أحملك بين أضلاعي.. من وجوهٍ أحببتها ثم صارت أسماءً في الذاكرة، ومن أماكنَ كلما عدتُ إليها وجدتُني غريبًا عنها، ومن أعوامٍ مضت دون أن تستأذن قلبي في أخذ شيءٍ منه.. حتى صرتُ أخشى أن ألتفت وراء ظهري، فلا أجد من عمري إلا ما كتبته عن الذين رحلوا.
ومع ذلك ما زلتُ أحبّ الحياة حين تمرّ بي قصيدة، وأحبّ الصباح حين يستيقظ على ذكريات طفولتي، وأحبّ المساء حين يعيد إليّ ليل قريتي الأولى.. وما زلتُ أؤمن بأن الإنسان لا يشيخ حين يتقدّم به العمر، وإنما حين يعجز عن الحنين، أو حين يفقد انتظار أحد سيأتي
وبعد يا صديقي..
لم يتبقَّ، والله، في العمر متّسعٌ لغيرك.. فقد أنفقتُ عليك أجمل ما فيّ، وأنفقتَ عليّ أجمل ما فيك، حتى لم أعد أعرف أيّنا كتب الآخر، وأيّنا عاش عمره في ظلّ صاحبه.
وها أنا أقترب من ذلك المساء البعيد، ولا أخاف انطفاء الضوء بقدر ما أخاف أن تبقى في قلبي كلمةٌ لم أقلها لمن أحببت، أو قصيدةٌ لم أكتبها لمن افتقدت!
فإذا غبتُ يومًا يا صديقي، فلا تبحث عنّي في تواريخ الرحيل، ولا في الأسماء التي ستنساها الأيام.. ابحث عنّي في ذلك الطفل الذي ما زال ينتظر أباه عند منحدر النخل، وفي الطبق الفيروزي الذي كانت أمّه تعدّه له كل صباح، وفي امرأةٍ تبتسم كلما سألتها عن الحب والشعر.
فأنا كتبتك لأترك لمن أحببتُ شيئًا منّي حينما لاأكون بينهم.. شيئًا يقول لهم إنني مررتُ بهذه الحياة، وأحببتهم أكثر مما استطعتُ أن أقول.

