: آخر تحديث

العلاقة والكراهية الفارسية

5
3
3

تقبلت كل شعوب الشرق الأوسط الدين والثقافة الإسلامية، لكنهم قاموا بتشكيل بعض جوانبها، وفق رؤاهم، بعيداً عن الخشونة والتشدد الصحراوي، وهذا ما رأيناه في بلاد الرافدين، ومصر وسوريا، وإيران، وتركيا، ومسلمي الهند وأندونيسيا وغيرها، مضيفةً عادات وألواناً للطقوس، وبالذات ما تعلق بالزواج والوفاة. ولا تزال هناك في إيران أقلية سنية، خاصة في إقليم بلوشستان، جنوب شرقي إيران، بجانب أقليات يهودية ومسيحية وزرادشتية. وكانت فارس، مع بداية الحكم العربي الإسلامي، دولةً متقدمةً في مختلف مناحي الحياة، مقارنةً بمن غزوهم وأصبحوا حكامهم، واستعبدوا غير المسلمين منهم، وقرَّبوا النخبة الماهرة والمتعلمة منهم، فلم يبرع الفُرس فقط في السياسة، بل وفي وضع قواعد اللغة العربية، بل بزُّوا غيرهم في مختلف العلوم، حيث كان منهم تقريباً كل مدوني الأحاديث «النبوية»، وغالبية أئمة المذاهب الأربعة، وبرعوا في الفقه، والفلسفة والطب والإدارة، إلا أن التأثير «الثقافي العربي» عليهم كان أيضاً هائلاً، ولفترة طويلة.

على الرغم من أن «الفارسية» تعود في جذورها للغات الهندو–إيرانية، والهندو–أوروبية، بينما تعود جذور اللغة العربية للغات السامية، إلا أن ذلك لم يمنع الأولى من أن تأخذ من الثانية، أكثر مما أعطتها، فهي لغة الدين، والصلاة، والحكم، لذا وجدنا أن أكثر من 60% من الكلمات العلمية في «الفارسية»، مثل مثلث ومربع ومستطيل، وضرب وعلامة، وصفر وجبر وعدد و«أعداد وتعداد»، وفيزياء وكيمياء وحساب، وعلم، جميعها أُخذت من «العربية». كما أخذت «الفارسية» من «العربية» أكثر من 30% من الكلمات الاجتماعية.

ورغم شهرة وجزالة الشعر الفارسي وانتشاره عالمياً فإن أساسه يعود لـ«العربية»، سواء في العروض أو القافية أو البحور وغيرها.

شكَّل هذا الطغيان أحد أسباب الصراع بين الهوية القومية، والولاء الديني، ويمكن ملاحظة ذلك في الموقف الرسمي من تدريس اللغة العربية، فعلى الرغم من أن إيران لا تقوم حالياً بالسماح بتدريس «العربية» إلا للمتخصصين من غير العرب، تجنباً لمطالبة كل قومية بتدريس لغتها، وبالذات عرب إيران والأتراك الآذاريين، والأكراد، وغيرهم، لغتهم، رسمياً، إلا أن دستور الدولة «يلزم» تدريس اللغة العربية في مدارس الدولة، لكن هذا الإلزام يشمل فقط تدريسها «بعد المرحلة الابتدائية» وحتى نهاية الثانوية في جميع التخصصات النظرية، وطُبق منع المدارس الابتدائية من تدريس «العربية» في 2023، وشمل ذلك كل اللغات الأخرى، خوفاً على «هوية الطفل الإيراني».

كما تعاني إيران من الاتجاه القوي لمن هم في الشتات نحو وضع الهوية القومية الإيرانية، قبل الهوية الدينية، المذهبية، وهؤلاء يمثلون، حتى بعد مرور قرابة نصف قرن وهم في الخارج، نخبة المجتمع الإيراني العالي التعليم، التي تعيش حياتها بعيدًا عن التزمت الديني، رافضةً، بدرجة أعلى، التقاليد والأعراف الإسلامية، وأكثر ميلاً لإيران ما قبل الخميني، وحتى ما قبل الإسلام، ويشتهر عنهم ضعف تدينهم، وميلهم لإطلاق أسماء ما قبل الإسلام على أبنائهم، بدلاً من الأسماء العربية أو الإسلامية. كما نراهم يبالغون في الاحتفال بأعياد فارس القومية، التي تعود لما قبل الإسلام، مثل «نوروز»، وسعيهم لـ«تطهير الفارسية»، وفق تعبيرهم، من الألفاظ العربية واستعادة مفرداتها القديمة أو إيجاد بدائل جديدة لكلماتها.

تعود بدايات محاولات «تطهير اللغة» أو في الفارسية «زَبان پاکی / پارسی‌سازی»، إلى نهاية القرن الـ19، ثم أُطِّرت رسمياً في عهد الشاه رضا، مؤسس البهلوية، الذي تبنّى قومية إيرانية علمانية تمجّد تاريخ ما قبل الإسلام، مستلهماً من تجربة أتاتورك، أو «التركية الصافية»، بعيداً عن النفود العربي والإسلامي. لذا قام بتأسيس أكاديمية اللغة، أو «فرهنگستان زبان فارسی» عام 1935 لتوليد بدائل فارسية للألفاظ العربية والأجنبية، مثل دانش‌گاه، بدلا من جامعة، وفرودگاه بدلاً من مطار، وغيرها الكثير، وبقي الأكثر.

ننهي سلسلة المقالات هذه عن العلاقة العربية – الفارسية بانطباع أؤمن به، وربما لا يكون صحيحاً، وهي أن العداء الفارسي، الضمني، الظاهر والباطن منه، ضد كل ما يمثله العرب، يخص عرب الجزيرة، بالذات، ولا يبدو يوماً أنهم «خصوا» غيرهم من العرب، بكراهيتهم.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد