: آخر تحديث

الخوف... عندما يختلط الواقع بما يتخيله العقل

4
4
2

الخوف من أكثر الكلمات تداولًا، لكنه أيضًا من أكثرها سوءًا في الفهم!

فمنذ الطفولة نتعلم أن الخوف شيء يجب هزيمته، وأن الشجاعة هي غيابه، وأن الإنسان الناجح هو الذي لا يعرف التردد. لكن مع مرور الزمن، يكتشف المرء أن هذه التصورات نفسها هي أول الأوهام التي يجب أن تتحطم.

الحقيقة أن الإنسان لا يخاف دائمًا من الواقع، بل من تفسيره للواقع. ولا يرتعب من الحدث، بل من الصورة التي رسمها عقله عن الحدث قبل أن يقع. وكأن العقل ليس مجرد أداة للتفكير، بل مصنع لا يتوقف عن إنتاج السيناريوهات، أكثرها لم يحدث، وأكثرها لن يحدث أبدًا!

قف لحظة واسأل نفسك: أين يوجد الخوف الآن؟

إذا كنت جالسًا في مكان آمن، وجسدك لا يتعرض لأي تهديد، فمن أين يأتي هذا الشعور الذي يضغط على صدرك؟ ستكتشف أن مصدره ليس الخارج، بل الداخل. إنه صورة ذهنية، أو احتمال، أو قصة يرويها العقل لنفسه عن مستقبل لم يصل بعد.

لهذا يعيش كثير من الناس أسرى لأشياء لم تقع، ويعانون من معارك لم تبدأ، ويهربون من نهايات لم تُكتب. إنهم لا يعيشون في الحاضر، بل في إسقاطات المستقبل. وما دام العقل قادرًا على تخيل ألف كارثة، فسيظل القلب يستجيب لكل واحدة منها كما لو كانت حقيقة.

العجيب أن العقل لا يفرّق دائمًا بين الخيال والواقع. فالصورة الذهنية قد ترفع نبض القلب، وتزيد إفراز هرمونات التوتر، وتدفع الجسد إلى حالة استنفار كاملة، مع أنه لا يوجد خطر حقيقي أمامه. وكأن الإنسان أصبح أسيرًا لما ينتجه داخله أكثر مما يواجهه خارجه.

لكن الخطأ الأكبر ليس وجود الخوف، بل الطريقة التي نتعامل بها معه!

حين تقول: (أنا خائف) فإنك تمنح الشعور هوية، وتجعل الخوف تعريفًا لنفسك، لا مجرد حالة عابرة. يصبح الخوف جزءًا من (الأنا)، وتبدأ ببناء قراراتك وعلاقاتك ومستقبلك على أساسه.

أما عندما تقول: هناك خوف يظهر في داخلي، فإن المشهد يتغير بالكامل. هنا لم تعد أنت الخوف، بل أصبحت من يراه. أصبحت هناك مسافة بين المراقب وما يراقبه، وبين الوعي وما يمر أمامه، وهذه المسافة هي بداية الحرية.

كل ما تستطيع ملاحظته لا يمكن أن يكون حقيقتك الكاملة. أنت تلاحظ أفكارك، إذن لست أفكارك. وتلاحظ مشاعرك، إذن لست مشاعرك. وتلاحظ خوفك، إذن لست خوفك. ومن هنا يبدأ السؤال الفلسفي الذي حيّر المفكرين والمتأملين عبر العصور: من هو الذي يلاحظ؟

إنه سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يقلب بنية الإنسان من الداخل. فإذا كان هناك جزء فيك يشاهد الأفكار وهي تأتي وتذهب، ويشاهد الخوف وهو يظهر ثم يختفي، فمن يكون هذا الشاهد الذي لا يتغير بينما كل شيء يتغير؟

الخوف يولد، يكبر، ثم يذبل. والأفكار تتبدل كل يوم. والمشاعر تتحرك كالأمواج. أما ذلك الحضور الصامت الذي يلاحظها جميعًا، فيبقى ثابتًا.

ربما لهذا السبب لا تكون الحرية الحقيقية في القضاء على الخوف، لأن ذلك مستحيل. فالخوف وظيفة بيولوجية ونفسية تحمي الإنسان من الأخطار الحقيقية. المشكلة تبدأ عندما يتحول من جرس إنذار إلى هوية، ومن شعور مؤقت إلى سجن دائم.

ليس الإنسان الشجاع هو الذي لا يخاف، بل الذي لا يسمح للخوف أن يكتب سيرته. والخوف أشبه بالضباب، لا يستطيع أن يغيّر شكل الجبل، لكنه يمنعك من رؤيته. فإذا تعاملت مع الضباب على أنه الحقيقة، ستظن أن الطريق انتهى، مع أن الطريق ما زال في مكانه. وما إن تشرق شمس الوعي حتى يتلاشى الضباب من تلقاء نفسه، لا لأنك حاربته، بل لأنك رأيته كما هو.

إن العقل بارع في صناعة الصور، لكنه ليس بارعًا دائمًا في قول الحقيقة. فهو يبالغ، ويختزل، ويتوقع، ويقارن، ويضيف إلى الواقع ما ليس فيه. لذلك فإن أكثر مخاوف البشر ليست نتاج العالم، بل نتاج التأويل. نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما يفسرها عقلنا. ولذلك فإن أخطر سؤال ليس: كيف أتخلص من الخوف؟ لأن هذا السؤال يفترض أن الخوف عدو يجب القضاء عليه.

السؤال الأعمق هو: من الذي يخاف؟

عندما تنظر إلى هذا السؤال بصدق، ستلاحظ أن الخوف مجرد زائر. يأتي ثم يرحل. والأفكار مجرد سحب تعبر السماء. والمشاعر فصول تتبدل. أما أنت، في مستواك الأعمق، فلست أيًا منها، هناك في الداخل مساحة لا ترتجف مع ارتجاف الجسد، ولا تضطرب مع اضطراب الفكر. مساحة صامتة تشهد كل شيء دون أن تصبحه. وكلما اقترب الإنسان من تلك المساحة، تراجع سلطان الخوف عليه، لأن ما يخشاه العقل لا يستطيع أن يمس ذلك الحضور.

ربما لهذا لا تبدأ الحرية عندما يختفي الخوف، بل عندما يتوقف الإنسان عن تعريف نفسه به. ففي اللحظة التي تدرك فيها أن الخوف تجربة تعبر بك، لا هوية تسكنك، تنكسر أولى قيوده. وعندها فقط، تدرك أن أكثر ما كان يرعبك لم يكن العالم، بل الصورة التي رسمها عقلك عنه. وأن العقل، مهما كان واسعًا، ليس أوسع من الوعي الذي يراه. وأن الإنسان لا ينتصر على الخوف عندما يقاتله، بل عندما يكف عن الاعتقاد بأنه هو الخوف.

وهنا تبدأ الحرية الحقيقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.