لم يعد التصنيع العسكري مجرد خيار لتنويع الاقتصاد أو خفض فاتورة الاستيراد، بل أصبح ركيزة للأمن الوطني، وضمانة لاستقلال القرار، واختبارًا لقدرة الصناعة السعودية على الاستجابة للتحديات الاستراتيجية. في عالم تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، وتتعرض فيه سلاسل الإمداد للاضطراب، لم تعد قوة الدول تقاس بما تمتلكه من أسلحة فحسب، بل بقدرتها على تصنيعها وصيانتها وتعويض مخزونها عند الحاجة. ومع الاعتداءات والتهديدات المتكررة التي تستهدف أمن وطننا، تتجاوز أهمية التصنيع العسكري الاعتبارات الاقتصادية لتصبح مسألة سيادة واستدامة وجاهزية وطنية.
قبل ستة عشر عامًا، وتحديدًا في عام 2010، وخلال رئاستي للجنة الصناعية بغرفة الشرقية، شاركنا بالتعاون مع وزارة الدفاع والطيران في تنظيم معرض القوات المسلحة الأول للمواد وقطع الغيار بالظهران. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها استراتيجية في مضمونها: لماذا نستورد قطعًا تستطيع مصانعنا الوطنية إنتاجها؟ كان الهدف فتح أبواب المشتريات العسكرية أمام القطاع الخاص، وتعريف المصانع السعودية باحتياجات القوات المسلحة، وبناء جسور مباشرة بين المؤسسة العسكرية والقاعدة الصناعية الوطنية.
وفي مرحلة أخرى، خلال عضويتي بمجلس إدارة هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية، برئاسة معالي الأستاذ عبدالله زينل، عافاه الله، وبوجود معالي الدكتور توفيق الربيعة مديرًا عامًا للهيئة آنذاك، شهدنا توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء مدينة صناعية متخصصة في الخرج، بمساحة عشرين مليون متر مربع، بالتعاون مع هيئة التصنيع العسكري. لكن المشروع، للأسف، لم يرَ النور.
اليوم، أعادت رؤية السعودية 2030 صياغة هذه الطموحات ضمن استراتيجية وطنية واضحة، تستهدف توطين 50 بالمئة من الإنفاق العسكري بحلول نهاية العقد، عبر الهيئة العامة للصناعات العسكرية والشركة السعودية للصناعات العسكرية سامي، والشراكات التقنية والاستثمارية الدولية.
غير أن السؤال الاقتصادي والاستراتيجي الأهم ليس فقط: كم تبلغ نسبة التوطين؟ بل: كم مصنعًا سعوديًا يستطيع إنتاج مكونات حيوية عندما تتعطل الإمدادات الخارجية؟ لقد أثبتت النزاعات الحديثة أن القدرات العسكرية يمكن بناؤها من منظومات ومكونات متعددة المصادر. وهذه الحقيقة تفتح أمام المملكة فرصة صناعية واسعة، تبدأ بتصنيع قطع الغيار والمكونات، ولا تنتظر اكتمال الصناعات الدفاعية الكبرى.
المطلوب اليوم برنامج وطني عاجل، تقوده الهيئة العامة للصناعات العسكرية بالتعاون مع وزارة الدفاع والجهات الصناعية والتمويلية، يتيح للشباب الصناعيين ورواد الأعمال دخول هذا القطاع، من خلال توفير المواقع الصناعية والتمويل والتراخيص السريعة والتأهيل الفني ونقل التقنية. لكن الحافز الأكثر تأثيرًا هو ضمان الطلب، عبر عقود شراء ملزمة تمتد لخمس سنوات على الأقل، مرتبطة بمعايير الجودة والأداء والتسليم.
فلا يمكن مطالبة المستثمر ببناء مصنع متخصص، وتوظيف الكفاءات، وتحمل تكاليف التقنية، دون وضوح كافٍ في حجم الطلب المستقبلي. ولا ينبغي أن يقتصر التوطين على الشركات الكبرى، فالصناعات الدفاعية العالمية تقوم أيضًا على شبكات واسعة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة المتخصصة.
إنَّ الفرصة اليوم ليست في شراء المزيد من المعدات فقط، بل في بناء القدرة الوطنية على إبقائها عاملة. فالدولة التي تشتري السلاح تمتلك قوة عسكرية، أما الدولة التي تصنعه وتصون مكوناته، فتمتلك إلى جانب القوة استقلال القرار وأمن الإمداد.

