تقول السيدة، وفي عينيها حزن كبير ممتزج بعزم أكيد، بينما تعبر شفتاها المكتئبتان أصلًا عن قدر كبير من الصلابة المثيرة للشفقة، تقول إنها واثقة من أن "السيد" سوف يقود يومًا، ولو من داخل قبره، معركة الصلاة في القدس. ولكن عليه وعلينا نحن الأحياء المؤهلين لكي نكون يومًا شهداء تغمرنا السعادة لموتنا في سبيل القضية، علينا أن نتخلص أولًا ممن يقفون سدًا في وجه تطلعاته المشروعة. وتفاجئك السيدة، وهي ذمية على فكرة، وتؤمن بتحالف الأقليات، بقولها: قبل القضاء على إسرائيل (هي تقول: اليهود وليس الصهاينة أو الأعداء أو أي شيء من هذا القبيل) وعلى الأميركيين جملة وتفصيلًا، علينا أن نتخلص من "الرجعيات العربية". نقطة وعلى السطر.
فالحقيقة أن كلام تلك السيدة يعيدنا بالتحديد إلى ذات يوم صيفي من العام 2013، وتحديدًا إلى بيروت، حيث كان يجري افتتاح مؤتمر برعاية خير الدين حسيب ومؤسسته المتعلقة بدراسات الوحدة العربية، جمع لمرة نادرة بين القومجيين العرب وأهل الإسلام السياسي، معلنًا أن غايته تجميع الصفوف لخوض معركة مشتركة لم يدرك كثر يومها أنها إنما هي موجهة ضد الدولة العربية بأخطائها وخطاياها. لكن الأمن العام اللبناني كان الوحيد الذي أدرك تلك الحقيقة، إذ أخبره مخبر من العاملين معه في فندق في شارع الحمراء استُخدم كمضافة للمؤتمرين، بأن هؤلاء، ومنذ الصباح الباكر، انطلقوا جذلين مرحبين مستبشرين خيرًا، يهنئون بعضهم البعض جهارًا على ما اعتبروه إنجازًا قوميًّا وطنيًّا إسلاميًّا كبيرًا تحقق شمالي العراق في ذلك الصباح بالذات: كان ذلك استيلاء داعش على الشمال العراقي!
طبعًا، النادل اللبناني لم يفهم من الموضوع الذي نقل تفاصيله إلى الأمن العام اللبناني شيئًا، لكنه، على الأقل، فهم أن موضوعه قد يهم مشغليه فأخبرهم به، وهؤلاء شنوا غارة على الفندق معتقلين أكثر من مئة من المشاركين، ليطلقوا سراحهم فور ذلك بفعل تدخلات ميليشياوية وتهديدات. وتبين أن تلك كانت المرة الأولى التي يعبر فيها القومجيون والإسلامويون العرب عن تضامنهم في معركة واحدة، في المعركة نفسها: معركة يمكننا اليوم اعتبارها معركة الرد على الجرح النرجسي الذي كان أصاب "الأمة" ليستشري طوال الفترة التي أعقبت هزيمة حزيران (يونيو) 1967. والرد أكثر من ذلك على الصرخة المدوية التي أطلقها مفكرو النهضة الثانية الذين أغضبتهم تلك الهزيمة، وكان صادق جلال العظم خير ناطق باسمهم حين دعا إلى ما سماه "النقد الذاتي بعد الهزيمة". والحقيقة أن العظم حمل حينها لواء البحث عن أسباب الهزيمة في أساليبنا التفكيرية والتعليمية والسلوكية، وذلك في مقابل فئة لم تتردد في اعتبار الجرح النرجسي الذي أصيبت به عملًا من فعل "الرجعيات" العربية. ومن هنا راح الحراك الذي اتبعه أنصاف المثقفين وأرباعهم في شتى أنحاء البلدان العربية العربية، يسير على هدي فكر يرى العدو الرئيسي في محاولات، لا بد من وأدها، لإقامة دول عربية تحديثية، ولا سيما في البلدان التي تمنحها أرضها وخيراتها إمكانات مادية لا تحد.
لن نوغل في تفصيل هذا، لكن في إمكاننا أن نقول إن الأمر أسفر عن توحيد المعركة التي كانت قد بدأت في نظر كل هؤلاء، وقد انضم إليهم ذلك "اليسار" النفتاليني، بحسب تعبير موفق لأحدهم، الذي لم يجد غضاضة في الالتقاء بأصحاب فكر داعشي جديد، طالما أن المعركة واحدة. بل وربما يمكن القول إنها في حقيقتها كانت معركة مشتركة وواحدة منذ التقى أحد زعماء الإخوان المسلمين، سعيد رمضان، صهر المؤسس الإخواني الكبير حسن البنا، بالرئيس الأميركي أيزنهاور في البيت الأبيض في صيف 1952 ليقنعه بتأييد الجناح الإخواني في صفوف ضباط الثورة المصرية التي كانت قد نجحت لتوها في الإطاحة بالملك، ولكن دون أن يتضح أي مسلك سياسي سوف تتبعه في الحسم بين توجهات الأجنحة التي يتوزع عليها الضباط الأحرار أنفسهم.
المهم في هذا هو أن سعيد رمضان كان يتوق إلى أن يؤيد الأميركيون التوجه الإسلامي كبدلاء عن الإنجليز الذين كانوا من أول داعميه يوم تأسس في الإسماعيلية بمصر قبل ذلك بنحو ربع قرن، جاعلًا استعادة الخلافة العثمانية، أو حتى غير العثمانية، هدفًا أساسيًا له خوفًا من أي زحف ليبرالي أو بلشفي وما إلى ذلك. وربما مقابل نشاطات نازية وجدت خير تعبير عنها في المشاركة العربية الفاقعة في مؤتمر نورنبرغ النازي تحت زعامة هتلر.
لقد بات هذا كله جزءًا من تاريخ، من المؤسف أنه لم يُروَ بما فيه الكفاية حتى الآن، وليس ثمة من مجال للعودة إليه هنا. فهنا علينا أن نكتفي بما تمخض عنه ذلك كله، وبالحلف "المقدس"، الذي عبر عنه الترحيب القومجي الإسلاموي المشترك بانتصار داعش الذي، وللتذكير فقط، لا بد أن نذكر أن لا مقاومة إسرائيل ولا تحرير فلسطين كانتا من بين بنود برامجه، بل محاربة فكرة تحديث الدولة العربية بتحويلها إلى مناطق تنمية ودخول في زمن العالم، وتحديث لكل ما يتعلق بالبنى التربوية والاقتصادية، ذلك التحديث الذي، ومنذ الفضيحة التي شكلتها عمليات نيويورك الإرهابية التي كشفت عن ضلوع إسلامي - قومي مشترك في اقترافها، بدا بالنسبة إلى كثر وكأنه الرد على الجرح النرجسي السيئ الذكر.
والحقيقة أن علينا هنا أن نخطو تلك الخطوة التي تربط منطقيًا بين كل تلك الخلفيات المتشابكة، وبين ما تمخض عنه الربيع العربي بعد بدايات مدهشة تمثلت في حراكات شبابية أثارت الرعب في العديد من الأوساط، قبل أن تتحول إلى حراكات مدعومة، بل ممولة، من جحافل الإخوان المسلمين على الطريقة القرضاوية القطرية، المتحالفة مع الأردوغانية في تركيا، وغيرهم من الداعشيين، سرعان ما استولت على الثورات التي كانت قد بدأت محقة في مطالبها ومساعيها العملية. وهكذا تعزز ذلك الحلف المقدس حتى أوصل الإخوان أو من يشبههم إلى الحكم مباشرة أو بالواسطة في عدد من البلدان مثل مصر خاصة والمغرب وحتى تونس، معززًا حكم هؤلاء في السودان وغيره. ونتذكر هنا كيف سارعت أوساط سياسية أميركية عليا إلى تأييد ذلك التغير الجذري الذي طرأ على أروقة الحكم في بلدان ما سمي حينها بالربيع العربي، مذكرة بلقاءات سعيد رمضان بأيزنهاور، تذكيرًا دعمته صور قديمة لذلك اللقاء الذي بدا حميميًا، نشرتها نيويورك تايمز يومها معبرة عن فرحتها بها. بالنسبة إلى الأميركيين لم يكن هناك بد من دعم حكم إسلامي في بلدان الربيع العربي لمجابهة الإرهاب الإسلامي في عقر داره.
غير أن تلك المخططات سرعان ما فشلت أو أُفشلت، ليعود الجرح النرجسي إلى التعمق، ولا سيما تحت إحساس أملى على بعض المناطق العربية ضرورة اعتماد سياسات جديدة تبتعد عن الأيديولوجيا لتقترب من سلوكيات الأزمنة الحديثة القائمة على العلم والانفتاح والتنمية تحت شعار الاقتصاد أولًا، ثم السياسة بعد ذلك. ولقد تراكمت هذه السياسات الجديدة لتصل ذروتها عبر النموذج التحديثي الذي مثلته دبي وراحت الدوحة تنافسها فيه، قبل أن تدخل السعودية على الخط في مسلك تحديثي مذهل وتخطيط مستقبلي لا سابق له في تاريخ هذا البلد.
ولكن في الوقت الذي راحت مشاريع البناء تتحول إلى برنامج عمل يومي، كان ثمة حلف جديد، لا يبتعد كثيرًا عن مشروع تحالف الأقليات، يتكون قوامه ثلاثة أحلام متضافرة: حلم عثماني وحلم فارسي وحلم صهيوني، على الضد من ذلك "الحلم العربي" الذي تحول، كما قلنا، إلى برنامج عمل قبل أن يبدو كحلم مضاد.
وبما أن دعاة القومجيات وأساطين الإسلام السياسي ومن لف لفهم، خاصة في أوساط اليسار القديم (النفتاليني إذا استخدمنا ذلك التعبير الموفق)، لا يعيشون إلا على الخراب والموت واللطم والنحيب، عندما بات عليهم أن يختاروا بين موقفين: موقف المشاركة في التنمية، ولا سيما عبر الانتماء إلى فكرة دولتية واضحة وتتطلع إلى المستقبل، أو موقف الانتماء إلى التحالف الجديد الضامن سياسة حربجية تعزز جماهيريتهم، كان الاختيار الثاني طريقهم، حتى ولو أنه اتسم بترسيخ سياسات لا تمت إلى الواقع بصلة، من "تحرير" على طريقة حماس التي لم تتردد في أن تجعل معركتها الأولى مجرد نسف للإنجازات (الواهية على أية حال، التي حققها المشروع العرفاتي من خلال السلطة الفلسطينية)، وتحديدًا بالتفاهم الضمني مع اليمين القومجي الديني الإسرائيلي، ومع الحلم الفارسي، من طريق التضامن مع الحرس الثوري الإيراني، كما حال أولئك الذين سُمّوا أذيال إيران، لكنهم في الحقيقة لم يكونوا سوى جزء من قوات حرسها الثوري يأتمرون بأمره، فيسلحهم ويمولهم في انتظار المعركة الحاسمة، ليس ضد إسرائيل وأميركا بوصفهما عدوين معلنين، بل ضد أي تقدم تنموي ودولتي تتمكن أية منطقة عربية، ولا سيما بلدان الخليج العربي، من الخوض فيه.
والحقيقة أنه، ومنذ عملية السابع من تشرين الأول (أكتوبر) البائسة، والتي تكاد تبدو وكأنها حفرت قبر القضية الفلسطينية التي لن تكون أبدًا من أولويات حماس وما شابهها، بدا واضحًا أن المستهدف تبعًا للسياقات المتجددة، ليس لا إسرائيل ولا الإمبريالية الأميركية، بل بلدان الخليج العربي، وعلى الأقل بالنسبة إلى جحافل "المثقفين" العرب والحشرات الإلكترونية التي تزحم الفيسبوك، ولا تعلن الانتصار إلا حين تطلق إيران وأدواتها في العراق واليمن وغيره وغيره، قذائفها على الخليج. بالنسبة إلى تلك الجحافل، ذلكم هو الرد الوحيد على الجرح النرجسي، وذلك هو التفسير المنطقي لما يحدث الآن، ولا سيما في أوساط "المثقفين" العرب الذين إذ بحثوا طويلًا عن أسباب هزائمهم المتلاحقة منذ خمسين سنة وأكثر، لم يجدوا الجواب إلا في ذلك الجزء الأخير من الشعار القومجي البائس الذي كان ينادي، وحتى أيام ازدهار المد القومي العربي، الحقيقي، والمد اليساري العربي، الحقيقي هو الآخر، بالشعار القائل بأن المعركة الحقيقية هي ضد إسرائيل والإمبريالية والرجعية العربية.
فعلى مدى أكثر من خمسين عامًا، وفي تطور وصل إلى ذروته مع تضافر ما تبقى من الفكر القومي ونظيره الإسلامي مع الداعشية، التي لن يتنبه كثر إلى مقدار الهزلية في سياساتها وممارساتها والتخلف في أيديولوجيتها، إلا حين انهزمت وازدحمت بمناضليها وقياداتهم القبور والسجون، مبقين على ورثة لهم وجدوا اليوم في الفيسبوك البائس ميدانًا لمعاركهم ومنصات يتحدثون فيها عن انتصارات، من المضحك المبكي أنهم، دون غيرهم، مقتنعون بوجودها حقًا، اقتناع صديقتنا الذمية بأن "السيد" لا شك سوف يقود "معركة تحرير القدس، ولو من داخل قبره"، الذي لم تنتبه السيدة إلى أنه قد تحول إلى مزار سياحي يمكن لمن يشاء، أو يملك القدرة على ذلك، أن يزوره ويتبرك به مقابل عشرين دولارًا أميركيًا من فضلكم!

