: آخر تحديث

تلوث اللغة الفارسية

5
4
4

يرى الكثير من المنظّرين الفرس، وبالذات من القوميين، أن الألفاظ العربية «دليل تلوّث» أو محاولة «تعريب» للهوية الإيرانية، لذا يربطون بين اللغة العربية والإسلام الرسمي والهيمنة السياسية المذهبية للعرب تاريخياً، ويرون أن استبدال كلمة عربية بأخرى فارسية قديمة أو منحوتة يُقدَّم كفعل رمزي لـ«استعادة حضارة إيران ما قبل الإسلام» أو قطع الارتباط النفسي مع الحكم العربي.

كما نشطت في السنوات الأخيرة حركة «بارسیگ / Parsig» كمجموعات نشطة في الشتات، من خلال وسائل التواصل؛ لتسويق وترويج قوائم لكلمات «فارسية خالصة» والدعوة لترك المفردات العربية، وغالبية الألفاظ التي يقترحونها تعود للعهد الساساني، ومن أمثلة ذلك «أرج» وتعني «احتراماً»، و«بشتیباني»، أي «دعم»، و«دوستي»، وتعني «صداقةً»، وغيرها. كما استبدلوا تحية اللقاء والوداع بـ«درود»، بدلاً من «سلام»، وكثير من هذه البدائل كان موجوداً أصلاً في «الفارسية الكلاسيكية»، لكن هيمنة الكلمات العربية في القرون الأخيرة جعلتها أقل شيوعاً، فجاءت حركات «تطهير» اللغة لتعيد إحياءها أو تفضيلها في الكتابة الحديثة. أما في الاستعمال اليومي، داخل إيران، فما زالت الألفاظ العربية واسعة الانتشار؛ وهذه الكلمات البديلة لا تظهر إلا في الكتابات القومية، وبعض الإعلام، وبين ناشطي الشتات على شبكات التواصل.

كما هناك أصوات إيرانية، من الداخل، تنتقد أسطورة «الفارسية الخالصة»، وتذكّر بأن التداخل العربي الفارسي كان تبادلياً وعميقاً، وأن الألفاظ العربية أصبحت جزءاً بنيوياً من الفارسية، تماماً كما أثّرت «الفارسية» في «العربية»، لذا لم تقم مؤسسة فرهنگستان زبان، البهلوية، رسميّاً بـ«تقنين» اللغة وتوليد ألفاظ فارسية جديدة، بل بقيت على ميلها العام في تفضيل الجذور الفارسية؛ دون نية جادة أو وجود مشروع جذري لطرد كل الكلمات العربية، بل ركّزت تاريخياً أكثر على تعويض الألفاظ الأوروبية الحديثة، وتفضيل «الفارسية» على «العربية». وما نراه ليس ظاهرة عفوية لغوية بحتة، بل امتداد لحركة «تطهير لغوي» ذات طابع قومي سياسي، يُستخدم فيها إحياء الكلمات الفارسية القديمة كرمز لرفض هيمنة «العربية» والإسلام على الهوية الثقافية الإيرانية، خاصة في أوساط قومية ومعارِضة وفي الشتات.

العقدة الأخرى عند إيران هي أيديولوجيّة الطابع ومحدوديّة المطامح، ولو أنّ شعار الثورة ودستورها يتحدّثان عن تصدير الثورة، بشكل موارب، والرغبة في نشر التشيّع في كلّ الدول، وهو التشيّع الثأريّ المختلط بالنزعات القوميّة الفارسيّة إلا أن إيران تلبس لكلّ حالةٍ لَبوسها. لذا لجأت للأقليّات الشيعيّة التي طالما اشتكت من المظلوميّة، وطالبت بالثأر والانتقام لها، وترويج فكرة اقتراب مجيء المهديّ ليضرب أعناق الكفرة والخونة، والسعي لتحرير فلسطين، من خلال السيطرة على أكبر عدد ممكن من العواصم العربية، وهو ما سعت له منذ سنوات طوال، وبذلت من قوتها وشعبها الكثير لتحقيق ذلك، فهذه هي أهداف إيران ومطامحها ومطامعها التي لا تخفيها منذ ثمانينيّات القرن العشرين، ويجيّرون عداء أمريكا وإسرائيل لها، لتبرير استهدافها للدول التي تقف مع أمريكا!

ومن العقد الأخرى، بين الطرفين، التي تؤخر كثيراً تطور العلاقة بينها للأفضل، وهذا ربما يعود إلى عقيدة راسخة في المذهب الشيعي، بأن محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر للشيعة، لا يزال حياً، وهو إمام الزمان أو «المهدي المنتظر»، وهو الذي وُلِد عام 869م في سامراء، ولا يزال حياً بعد نحو 1200 سنة، ويقوم بمراقبة تطورات العالم، في غيبته، وسيخرج يوماً ليهزم أعداء المسلمين ويقيم العدل في الأرض. علما بأن الاعتقاد استخدمه الصفويون، ليكون حافزاً للجنود في حروبهم، وكيف أن «إمام الزمان» سيكون حليفهم في مواجهة الأعداء، من روس وعثمانيين، وأصبح ظهوره متوقعاً وجزءاً من التراث الثقافي في الجمهورية الإيرانية. وهناك اعتقاد متزايد بين العامة في إيران، مفاده بأن الأحداث الأخيرة والهجوم الأمريكي المحتمل هما «من علامات اقتراب ظهور المهدي»! كما يستمد النظام الإيراني شرعيته منه، ومن الذي جاء بتفويض الحكم نيابة عنه من خلال ولاية الفقيه، ومن الطبيعي بالتالي الاعتقاد بأن «إمام الزمان» لن يسمح بهزيمة النظام، وسيسحق أي تهديد خارجي أو داخلي. ووظيفة النظام الحالي الحفاظ على إيران سلمية وتسليمها لـ«المهدي المنتظر»، عند ظهوره. وجميعها أمور ستترسخ أكثر مع تراجع شبح الحرب الشاملة، أو ستتراجع، إن شهد النظام تراجعاً أو انهياراً.

وإلى الخاتمة مع مقال الغد..


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد