عبد الله سليمان الطليان
في القضايا الكبرى، لا تدور المعركة على الأرض وحدها، بل تمتد إلى الكتب، ووسائل الإعلام، والمنابر الأكاديمية، حيث تتنافس الروايات على تشكيل الرأي العام، ويغدو امتلاك السردية أحيانًا أكثر تأثيرًا من امتلاك القوة العسكرية. ومن هنا اكتسب كتاب «ما يفوق الوقاحة» (Beyond Chutzpah) مكانته بوصفه أحد أكثر الكتب إثارة للجدل في تناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ومؤلف الكتاب هو الباحث والمفكر السياسي الأمريكي (نورمان فنكلستين)، المولود عام 1953، لأسرة يهودية نجت من المحرقة النازية. حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة برينستون، وكرّس جانبًا كبيرًا من أبحاثه لدراسة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والقانون الدولي، والخطاب السياسي، وحقوق الإنسان. وقد عُرف بكتاباته النقدية التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية، سواء بين مؤيديه أو معارضيه، لما تتضمنه من مراجعات حادة للروايات السائدة حول القضية الفلسطينية.
ولا يقتصر كتاب «ما يفوق الوقاحة» على مناقشة سياسات الاحتلال الإسرائيلي، بل يركز بصورة أساسية على الطريقة التي تُصنع بها الروايات السياسية، وكيف يمكن ـ بحسب المؤلف ـ أن تتحول اللغة، والإعلام، والعمل الأكاديمي إلى وسائل لتوجيه الرأي العام، وصناعة صورة ذهنية تحجب كثيرًا من الوقائع الميدانية والقانونية.
يرى فنكلستين أن الجدل الدائر حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس معقدًا بطبيعته كما يُصوَّر غالبًا، وإنما جرى، في رأيه، تضخيم تعقيداته لإبعاد الأنظار عن جوهر القضية، وهو نزاع سياسي يتعلق بالأرض، والاحتلال، وحق تقرير المصير. ولذلك يرفض تفسير الصراع بوصفه مواجهة حضارية أو دينية أو تاريخية أزلية، ويرى أن مثل هذه التوصيفات تصرف الانتباه عن الأسئلة القانونية والحقوقية الأساسية.
ومن أبرز المحاور التي يناقشها الكتاب مفهوم «معاداة السامية الجديدة». ففنكلستين لا ينكر وجود معاداة السامية بوصفها شكلًا من أشكال العنصرية، لكنه يجادل بأن هذا المفهوم استُخدم، في كثير من الأحيان، لتوسيع دائرة الاتهام بحيث تشمل منتقدي السياسات الإسرائيلية، حتى وإن استند نقدهم إلى مبادئ القانون الدولي أو إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان.
ويحدد المؤلف ثلاثة أنماط لهذا الاستخدام؛ أولها تضخيم بعض الوقائع أو تفسيرها بطريقة تخدم هذا الاتهام، وثانيها الخلط بين معاداة اليهود بوصفها كراهية دينية أو عرقية وبين نقد سياسات دولة إسرائيل، وثالثها تصوير أي انتقاد لإسرائيل على أنه استهداف لليهود جميعًا. ويرى أن النتيجة هي نقل مركز النقاش من مساءلة سياسات الاحتلال إلى الدفاع عن إسرائيل باعتبارها ضحية.
ويخصص فنكلستين جزءًا كبيرًا من كتابه للرد على كتاب (مرافعة لإسرائيل ) للمحامي والأكاديمي الأمريكي ألان ديرشويتس، الذي يصفه بأنه نموذج لما يسميه «التزوير الأكاديمي». ويعرض المؤلف مراجعة تفصيلية لعشرات المصادر والهوامش، متهمًا ديرشويتس بالاعتماد على اقتباسات منقولة، وتحريف بعض المراجع، والاستناد إلى مصادر لا تؤيد النتائج التي خلص إليها.
كما يناقش الكتاب عددًا من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، مثل استخدام القوة ضد المدنيين، والتعذيب، والعقاب الجماعي، واستعمال المدنيين الفلسطينيين دروعًا بشرية، ويقارن بين ما أورده ديرشويتس وبين ما وثقته منظمات حقوقية معروفة، مثل (العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش) و(بتسيلم) ، ليخلص إلى وجود اختلاف جوهري بين الرواية التي يدافع عنها ديرشويتس وبين ما ورد في تقارير تلك المنظمات خلال الفترات التي تناولها الكتاب.
ويولي فنكلستين أهمية خاصة لما يصفه بالإجماع النسبي بين عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والإسرائيلية حول وجود انتهاكات متكررة للقانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويرى أن هذا التقاطع بين تقارير جهات مستقلة يستحق اهتمامًا أكبر من النقاشات السياسية والإعلامية التي تطغى على المشهد.
وفي تفسيره لجذور الصراع، يؤكد فنكلستين أن القضية، في جوهرها، تتعلق بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة، وأن استمرار الاحتلال يمثل العقبة الأساسية أمام أي تسوية دائمة. ومن هذا المنطلق، يرى أن الحل الذي حظي بتأييد واسع في المجتمع الدولي يتمثل في إقامة دولتين على أساس حدود عام 1967، مع معالجة القضايا العالقة وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما يناقش المؤلف الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ويرى أنه لم يُنهِ السيطرة الإسرائيلية بصورة كاملة، بسبب استمرار التحكم في عدد من الجوانب المرتبطة بالحدود والمجال الجوي والمياه الإقليمية، وهو ما جعل عددًا من المؤسسات الدولية يواصل وصف القطاع بأنه لا يزال خاضعًا لصور مختلفة من السيطرة الإسرائيلية.
ولا يتردد فنكلستين في توجيه انتقادات لوسائل الإعلام، وبعض المؤسسات الأكاديمية، وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، معتبرًا أنها أسهمت، بحسب تحليله، في ترسيخ روايات معينة، وفي تقليص مساحة حضور الوثائق القانونية وتقارير المنظمات الحقوقية في النقاش العام. ويرى أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض، بل أصبح أيضًا صراعًا على تشكيل الوعي العام وصناعة الرواية الأكثر قبولًا لدى الرأي العام العالمي.
وسواء اتفق القارئ مع أطروحات نورمان فنكلستين أو اختلف معها، فإن كتاب «ما يفوق الوقاحة» يظل من الأعمال التي فرضت حضورها في النقاش الأكاديمي حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لما يقدمه من مراجعة واسعة للوثائق والمراجع، ولما يطرحه من أسئلة تتعلق بالعلاقة بين السياسة والإعلام والقانون.
ولعل القيمة الأهم للكتاب لا تكمن في إلزام القارئ بتبني استنتاجاته، بل في دعوته إلى العودة إلى المصادر الأصلية، وتقارير منظمات حقوق الإنسان، ووثائق القانون الدولي، وعدم الاكتفاء بالروايات المتداولة مهما بلغ انتشارها. فالقضايا التاريخية الكبرى لا تُحسم بالشعارات، بل بالوثائق، ولا تُبنى الأحكام فيها على الانطباعات، وإنما على البحث العلمي والتدقيق والنقاش الموضوعي.
همسة أخيرة:
هذه رسالة إلى الذين يجملون صورة الاحتلال

