إن قوة المملكة لا تُختزل في قدراتها الدفاعية والاقتصادية، على أهميتها، بل تشمل أيضًا قدرة مجتمعها على التعامل الواعي مع الأزمات، والمحافظة على توازنه وثقته وتماسكه.. وفي زمن تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الفضاء الرقمي، يصبح الأمن الوطني مسؤولية مؤسساتية ومجتمعية متكاملة..
لم تعد الحروب المعاصرة تُخاض بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل أصبحت المعلومة جزءاً من أدوات الصراع، وأضحى الهاتف المحمول، بما يحمله من كاميرا وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، قادراً على التأثير في المشهد العام خلال ثوانٍ معدودة. وفي ظل الاعتداءات الحوثية التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية، تبرز قضية لا تقل أهمية عن الاستعدادات الأمنية والعسكرية، وهي وعي المجتمع بمسؤوليته في الفضاء الرقمي، وإدراك أن ما يُنشر في لحظات التوتر قد تتجاوز آثاره حدود الشاشة إلى الأمن الوطني وسلامة المجتمع.
إن قراءة المشهد من منظور الأمن الوطني الجيوسياسي تكشف أن الاعتداء على المنشآت المدنية والمرافق الحيوية لا يقتصر أثره على الأضرار المباشرة، بل يمتد إلى حركة الطيران والاقتصاد وثقة الأسواق واستقرار الحياة اليومية. كما أن توظيف الأخبار المضللة والمقاطع المجتزأة في أوقات الأزمات يمكن أن يضاعف الشعور بالخطر، ويمنح الجهات التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار فرصة لتحقيق تأثير نفسي وإعلامي يتجاوز نتائج الاعتداء ذاته.
ومن هنا، فإن معركة الوعي ليست منفصلة عن معركة حماية الوطن، وإنما تمثل إحدى ركائز صموده.
لقد انتهجت السياسة السعودية في تعاملها مع التحديات الإقليمية مسارات تجمع بين حماية السيادة والمصالح الوطنية، وتوظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية، والعمل على صون الاستقرار الإقليمي. وهذا التوجه يضع المواطن أمام مسؤولية موازية؛ فتماسك الجبهة الداخلية لا يتحقق بالمواقف العاطفية وحدها، وإنما بالوعي والانضباط والثقة المبنية على المعرفة، والقدرة على التمييز بين الخبر الموثوق والمحتوى المصمم لإثارة القلق أو استدراج التفاعل.
ولعل أخطر ما تفرضه الأزمات أن بعض الممارسات الرقمية الضارة تصدر عن حسن نية. فقد يصوّر شخص موقع حادثة رغبةً في نقل الحقيقة، أو يعيد آخر نشر مقطع متداول بقصد الاطمئنان على الآخرين، دون أن يدرك أن التسجيل قد يكشف موقعاً حساساً، أو تفاصيل ميدانية، أو معلومات يمكن استغلالها خارج سياقها. فليست كل صورة صالحة للنشر، وليس كل ما نعرفه ينبغي تداوله، خصوصاً عندما تتعلق المعلومات بسلامة الأرواح أو الإجراءات الأمنية.
وفي هذا السياق، تكتسب الأنظمة السعودية المتعلقة بالجرائم المعلوماتية أهمية خاصة؛ إذ إن نظام مكافحة جرائم المعلوماتية يجرّم أفعالاً محددة تمس النظام العام أو حرمة الحياة الخاصة، ويقرر عقوبات تصل في بعض الحالات المنصوص عليها في مادته السادسة إلى السجن خمس سنوات والغرامة ثلاثة ملايين ريال، أو إحدى العقوبتين. غير أن فهم النظام يقتضي الدقة؛ فليس كل خطأ في النشر جريمة بالضرورة، ولا يجوز إطلاق الأحكام دون النظر إلى طبيعة الفعل وأركانه والظروف المحيطة به.
والوعي بالنظام ينبغي ألا يقوم على الخوف من العقوبة فحسب، بل على اقتناع أعمق أن المسؤولية الرقمية سلوك أخلاقي ووطني يحمي الإنسان والمجتمع.
وهنا تتجلى المواطنة الرقمية بوصفها ممارسة يومية، تبدأ من التحقق من مصادر المعلومات، وعدم تداول المقاطع مجهولة المنشأ، وتجنب تصوير العمليات الأمنية ومواقع الحوادث بطريقة قد تكشف تفاصيل حساسة، واحترام خصوصية المصابين والمتضررين، والامتناع عن منح المحتويات التحريضية والمضللة انتشاراً إضافياً، حتى لو كان الهدف من إعادة نشرها انتقادها أو التحذير منها.
كما أن سرعة تداول المعلومات لم تعد دليلاً على صحتها؛ فقد أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي إنتاج تسجيلات وصور يصعب أحياناً تمييزها عن الواقع. ولهذا أصبحت مهارة التحقق ضرورة مجتمعية، لا ترفاً معرفياً، وأصبح التريث قبل الضغط على زر النشر سلوكاً يعكس النضج والمسؤولية.
ولا يعني ذلك إلغاء دور الإعلام المهني أو إغلاق المجال أمام النقاش العام؛ فالمجتمع الواعي يحتاج إلى معلومات دقيقة وفي توقيت مناسب، كما يحتاج إلى مساحة مسؤولة لطرح الأسئلة وفهم الأحداث. ومن المهم أن تحافظ المؤسسات الإعلامية على سرعة الاستجابة دون التضحية بالدقة، وأن تقدم الجهات المختصة التوضيحات التي تحد من الشائعات، فغياب المعلومة الموثوقة يترك فراغاً قد تملؤه روايات مضللة.
وفي المقابل، يستطيع المواطن أن يكون شريكاً فاعلاً في حماية المجال المعلوماتي، ليس بالضرورة من خلال كثرة التغريدات والمنشورات، وإنما بإظهار الحقيقة الموثقة، ودعم المحتوى المسؤول، والإبلاغ عن التضليل عبر القنوات المختصة، ورفض تحويل معاناة الناس إلى مادة للمزايدات أو البحث عن المشاهدات.
إن قوة المملكة لا تُختزل في قدراتها الدفاعية والاقتصادية، على أهميتها، بل تشمل أيضاً قدرة مجتمعها على التعامل الواعي مع الأزمات، والمحافظة على توازنه وثقته وتماسكه.. وفي زمن تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الفضاء الرقمي، يصبح الأمن الوطني مسؤولية مؤسساتية ومجتمعية متكاملة.
وإذا كانت حماية الحدود مهمة تتولاها أجهزة الدولة المختصة، فإن حماية الوعي مسؤولية يشترك فيها الجميع. فالمواطنة الرقمية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد المنشورات، بل بقدر ما نمتلك من حكمة حين نعرف، ومسؤولية حين نتحدث، وشجاعة أخلاقية حين نقرر ألا ننشر.. ففي أوقات الأزمات، قد يكون الامتناع عن نشر معلومة غير موثقة أبلغ صور المسؤولية، وقد يكون الوعي الصادق أحد أكثر أشكال الانتماء الوطني أثراً.

