في زمن كانت فيه الإمارات تخطو خطواتها الأولى على طريق الدولة الحديثة، كان د. عبد الخالق عبد الله يشق طريقًا آخر، طريقًا يقود من مدرج الجامعة إلى فضاء الفكر، ومن قاعة الدرس إلى أسئلة السياسة والمجتمع والخليج. ولد في الإمارات عام 1953، ونشأ في بيئة كانت تشهد تحولات عميقة أعادت تشكيل المكان والإنسان معًا، قبل أن تتسع تجربته العلمية والفكرية لتصبح جزءًا من المشهد الثقافي والسياسي الإماراتي والخليجي.
اختار العلوم السياسية ميدانًا له، فحصل على الماجستير من الجامعة الأميركية في واشنطن، ثم الدكتوراه من جامعة جورج تاون في السياسة المقارنة، وهي دراسة منحته أدوات أكاديمية لفهم الدولة والمجتمع والتحولات السياسية، لا بوصفها أخبارًا عابرة، بل بوصفها ظواهر لها جذورها وسياقاتها ومساراتها.
عاد إلى بلاده ليكون من أوائل الإماراتيين الذين دخلوا ميدان التدريس الجامعي في العلوم السياسية، وتذكر مصادر صحفية أنه كان أول مواطن إماراتي يُعيّن معيدًا في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وهناك بدأ فصل طويل من حياته الأكاديمية، ظل فيه أستاذًا وباحثًا وكاتبًا، جامعًا بين المعرفة النظرية والانشغال بأسئلة الواقع الخليجي.
ولم يحصر عبد الله نفسه في جدران الجامعة. فقد انفتح مبكرًا على الصحافة والمجال الثقافي، فعمل مديرًا لوحدة الدراسات في دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، وترأس تحرير مجلة (شؤون اجتماعية) نحو عقد من الزمن، وأسهم في عدد من المؤسسات والمنتديات المهنية والثقافية الخليجية والعربية. كما ارتبط اسمه بمنتدى التنمية الخليجي ومجلس دبي الثقافي، وشارك في مؤتمرات وندوات عربية ودولية عديدة.
وكان لي حضورٌ في صفحات شؤون اجتماعية، المجلة التي ترأس تحريرها، فكانت منبرًا يزاوج بين البحث الإعلامي والاجتماعي، ويمنح الكلمة مساحةً للتأمل في الإنسان والمجتمع وتحولاتهما.
وكان الخليج العربي حاضرًا بقوة في مشروعه الفكري، فهو لم ينظر إليه بوصفه جغرافيا نفط وموانئ وثروة، وإنما بوصفه منطقة تتقاطع فيها الدولة والمجتمع والأمن والتحولات السياسية والعلاقات الدولية. ومن هذا الاهتمام جاءت مؤلفاته ودراساته في النظام الإقليمي الخليجي، والقضايا الخليجية المعاصرة، والسياسة الخارجية الإماراتية، والتحولات السياسية والأمنية في المنطقة. ومن كتبه ودراساته: العالم المعاصر والصراعات الدولية المعاصرة، والنظام الإقليمي الخليجي، والحركة الثقافية في الإمارات، والمبادرات والاستجابات في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن كتابه اعترافات أكاديمي متقاعد، الذي اتخذ من تجربته الجامعية والحياتية مادة للتأمل والسيرة.
ومع مرور السنوات، انتقل اسمه من حدود الأكاديمية إلى المجال العام بصورة أكثر وضوحًا. صار يكتب ويتحدث في القضايا السياسية الخليجية والعربية، ويتابع التحولات التي عصفت بالمنطقة، ولا سيما بعد عام 2011، حين وجد العالم العربي نفسه أمام موجة واسعة من الاحتجاجات والتحولات السياسية. وقد تناول في محاضراته وكتاباته قضايا الديمقراطية والتحولات الاجتماعية والسياسية والأمن الإقليمي، وأصبح صوته حاضرًا في النقاشات العامة حول مستقبل الخليج والمنطقة.
وكانت له، في مراحل لاحقة، صلة وثيقة بدوائر النقاش السياسي حول الإمارات وسياساتها الإقليمية، حتى ارتبط اسمه إعلاميًا بوصفه من الأصوات القريبة من دوائر صنع القرار الإماراتي. وهذه الصلة كثيرًا ما جعلت تصريحاته وكتاباته موضع متابعة وقراءة سياسية، خصوصًا في الملفات الخليجية والعربية الساخنة. وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بين صفته الأكاديمية ودوره العلني ككاتب ومحلل سياسي وبين المناصب الرسمية، فالمصادر التي تناولت سيرته تقدم هذه الأدوار بصيغ مختلفة.
ولم يكن حضوره السياسي محصورًا في الكتب والدراسات الأكاديمية، فقد استخدم الصحافة والندوات والفضاء الرقمي أدوات للتواصل مع جمهور أوسع. ومن هنا أصبح اسمه جزءًا من السجال السياسي الخليجي، وكانت بعض آرائه ومواقفه موضع نقاش وانتقاد، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالحرب في اليمن والتحولات الإقليمية. وقد تناولت وسائل إعلام عربية بعض تصريحاته بوصفها مواقف سياسية ذات دلالة في قراءة المشهد الخليجي.
لكن اختزال عبد الخالق عبد الله في مواقفه السياسية وحدها يضيّق من مساحة تجربته، فالرجل قبل أن يكون اسمًا متداولًا في السياسة كان أستاذًا وباحثًا ومثقفًا اشتغل لعقود على بناء معرفة إماراتية وخليجية في العلوم السياسية. وقد تجاوز إنتاجه ثلاثين بحثًا بالعربية والإنجليزية وفق سيرته المنشورة، وشارك في مؤتمرات جامعية ومراكز بحثية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والعالم العربي، كما حصل على منحة فولبرايت عام 1995 وعمل أستاذًا زائرًا في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون.
ولعل قيمة تجربته تكمن في ذلك العبور المستمر بين الجامعة والصحافة والثقافة والسياسة، فقد خرج من قاعة المحاضرة إلى فضاء المجتمع، ومن البحث الأكاديمي إلى المقالة السياسية، ومن الكتاب إلى المنبر العام. ولذلك لم يعد تأثيره مقتصرًا على طلاب العلوم السياسية الذين درسوا على يديه، بل امتد إلى القراء والمتابعين والباحثين والمهتمين بالشأن الخليجي.
وفي كتابه (اعترافات أكاديمي متقاعد) تتخذ السيرة شكلًا أكثر إنسانية، فالتقاعد عنده ليس إعلانًا لنهاية الطريق، بل وقفة لاستعادة سنوات الجامعة والبحث والسفر والكتابة، والتأمل في حياة أكاديمي عاش بين الورق والمنبر والمجال العام. وقد وصف الكتاب بأنه سيرة ذاتية وتأملية تستعرض تجربته الجامعية وما بعد التقاعد، وتؤكد استمرار النشاط الفكري بعد مغادرة الوظيفة الأكاديمية.
ولعلّ ما يمنح تجربته فرادتها أنه لم يتعامل مع المعرفة بوصفها إقامةً في برجٍ أكاديميّ معزول، بل جسرًا يصل الجامعة بأسئلة الناس وتحولات واقعهم. ظلّ يقرأ الخليج في حركة الزمن، لا في سكون الخرائط، ويتأمل الدولة والمجتمع من موقع الباحث، فيما يقترب من السياسة من موقع الكاتب المنخرط في سجالاتها.
وبين هذين الموقعين، تشكّلت صورة المثقف الذي لا يكتفي بتفسير التحولات، بل يشارك في النقاش حول معناها ومآلاتها، وهي مشاركةٌ أتاحت لصوته أن يبلغ جمهورًا أوسع، لكنها جعلته أيضًا عرضةً للقراءة والاختلاف والنقد.
وفي حضوره الإعلامي اليوم، يتحدث عبد الخالق أحيانًا بنبرةٍ تبدو أقرب إلى خطاب الحكومة الإماراتية ومواقفها الرسمية، حتى قد يراه بعض المتابعين ناطقًا غير رسمي باسمها. غير أن هذا الانطباع لا يعني، بحدّ ذاته، أنه يشغل منصبًا حكوميًا أو يتحدث بتكليف رسمي، فالأدقّ التمييز بين مواقفه وتحليلاته السياسية المعلنة وبين الصفة الرسمية التي لا تثبت إلا بمصدر موثوق.
وقد جعل هذا القرب الظاهر من الخطاب الرسمي تصريحاته موضع اهتمامٍ ونقاش، بين من يراها تعبيرًا عن قراءةٍ سياسية منسجمة مع توجهات الدولة، ومن يطرح أسئلة حول حدود المسافة بين المثقف والسلطة.
وهكذا تبدو سيرة عبد الخالق عبد الله ابنًا لمرحلة إماراتية صاعدة، وأكاديميًا أسهم في ترسيخ دراسة العلوم السياسية في بلاده، ومفكرًا انشغل بأسئلة الخليج والدولة والمجتمع والأمن، وكاتبًا اختار أن يكون قريبًا من الأحداث لا بعيدًا عنها. وبين الجامعة والكتاب والصحافة والسياسة، تشكل حضوره بوصفه واحدًا من الأصوات الإماراتية التي تركت أثرًا واضحًا في النقاش الفكري والسياسي حول الخليج العربي وتحولاته.

