: آخر تحديث

إسماعيل الصفوي والخضرة والماء والوجه الحسن

2
2
2

ليس من السهل، مع بدء الحكم العربي لبلاد فارس، عام 633 م، تجاهل الفوارق المعيشية بين الحاكم والمحكوم، فالأخير كان صاحب العلم والفن والبراعة في أداء عشرات المهن، بخلاف العيش الرغيد، فيما كان الطرف الآخر، العربي، يمتلك السيف، وبيده القرار، وجاء بعقيدة دينية، فاتحاً، ثم حاكما، وكانت تلك بداية العقدة، أو «النعرة»، بين الطرفين، فكل طرف اعتقد أنه يتميز على الآخر بميزة ما، واستمر ذلك حتى اليوم، وربما يكون هذا تبسيطا شديدا للعلاقة بين الطرفين، التي كانت ولا تزال أعقد من ذلك بكثير. وفهمها بطريقة أكثر وضوحا يتطلب العودة للتاريخ، الذي يبين أن الفرس تقبلوا في البداية هزيمتهم على يد العرب، واعتقدوا أنهم، كغزاة، سيأخذون الغنائم، والسبايا، ويرحلون، كغيرهم، لكن يبدو أن الأمر طاب لهم، فقرروا البقاء، كما فعلوا في مصر وبلاد الشام والعراق وغيرها، وأسباب ذلك كانت كثيرة ومغرية، وكانت تختصر بثلاثية؛ الخضرة والماء، والوجه الحسن، فكيف سيعود الغازي لسابق حياته؟! كما أن العرب آمنوا بأنهم أصحاب رسالة، وأنهم مكلفون بنشرها، أينما حلوا، ويبدو أن قدرتهم على استخدام الدين في غزو الدول الأخرى أغرت الفرس بالانضمام لهم، وغالبا لاستخدامهم والعقيدة الجديدة في تحقيق أحلامهم التوسعية. لذا تقبلوا الدين وتقبلوا اللغة، وأتقنوها، وسعوا ونجحوا في وضع قواعدها، ليسهل عليهم فهمها واتقانها، وأحيانا أفضل من أهلها، وبقيت أعمالهم معنا حتى اليوم، دون تغيير.

قرّب الأمويون الفرس لهم لفترة، لكن سرعان ما ابعدوهم، لكن رأى فيهم بنو العباس ما يستحق التقريب، فجعلوهم الأقرب لهم من غير العرب، وعينوا منهم أمراء على مختلف الأمصار، ومنها خراسان، التي أصبح «أبو مسلم الخراساني»، صاحب الشخصية الغامضة، قائدا عليها، وهكذا بنى بنو العباس دولتهم بسواعد الفرس، الذين اصبحوا لأول وآخر مرة شركاء في الحكم، فبقاء الحال من المحال، حيث انقلب عليهم «أبوجعفر المنصور»، وتخلص من أبو مسلم، ثم وقعت نكبة البرامكة، عام 803م، لتأتي النهاية في عهد الخليفة المتوكل، العباسي، الذي قضى على كل أشكال نفوذهم، واحل الترك مكانهم، وكان الطلاق، الذي استمر إلى اليوم.

أثّر تهميش الفرس المتعمد، على نفسياتهم، بعد كل الذي قدموه للخلافة العباسية، وللحضارة، وللعقيدة، واكتشفوا متأخرين أن ليس من السهل على الحكام العرب التنازل للحكم لهم، ولا تقريبهم بأكثر مما يجب، وكان ذلك بداية الصراع داخل العقل الفارسي، بين الانتماء القومي للأمة والحضارة الفارسية، وبين الانتماء أو الالتزام بالدين، العربي اساساً، وللتخفيف من ذلك الصراع، قاموا، غالبا، بإلباس الدين عباءة المذهب، ليكون لهم لونهم او هويتهم الدينية المميزة، ولو أن قصة تحول إيران للمذهب الجعفري، على يد الشاه «إسماعيل الصفوي»، عام 1501م، والذي كان في الرابعة عشرة من عمره، قصة جديرة بالدراسة، ومثيرة بالفعل للدهشة.

* * *

تعود العلاقة بين بلاد فارس والجزيرة العربية لما قبل الإسلام بكثير، فقد سيطر الساسانيون الفرس، من القرن الـ3، وحتى الـ7 الميلادي، على أجزاء كبيرة من اليمن وشرق الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين (العراق حاليا). وفيها وقعت معركة ذي قار في 609م، وكانت أول انتصار عربي واضح على الفرس، ونقطة تحول كبيرة. وبعد الإسلام، جاء النصر الثاني في معركة القادسية عام 636م، لينهي هيمنة الساسانيين على العراق، لتتبعها سنة 642 معركة نهاوند، على الأراضي الفارسية في عهد الخليفة عمر، التي أنهت الدولة الساسانية، وشكلت بداية الحكم العربي/ الإسلامي لإيران، ومنهية هيمنة الفرس على المنطقة، والتي دامت قرابة أربعة قرون، لكن تركت تلك الهزائم آثارا أليمة في الذاكرة الإيرانية، وشكلت بداية عدائهم لـ«مستعمريهم» العرب، وللخليفة عمر، ويمكن رؤية آثار ذلك العداء حتى اليوم، بالرغم من أنهم اختاروا، وبكامل إرادتهم، أن يصبحوا مسلمين، على المذهب السني، قبل أن يأتي الشاه الصفوي المراهق، قبل 500 سنة، ويدفعهم لاعتناق المذهب الشيعي، علما بأنه نجح في حكم فارس، وهو الآذري، غير الفارسي، وكان زعيماً دينياً وعسكرياً بارزاً، وأعاد لتلك البلاد وحدتها، لأول مرة منذ قرون. كما سيطر على بلاد ما بين النهرين، وديار بكر، وخراسان، وفرض مذهبه على الغالبية، ووقعت الكثير من المذابح بين المخالفين له، دينيا ومذهبيا، لكنه توفي عن 37 عاماً، تاركاً دولة قوية لابنه طهماسب.

وإلى مقال الغد..


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد