: آخر تحديث

مشهور ومبهور

3
3
3

هناك فرق كبير بين ممثل يتم تصويره في استديو ويعاد التصوير عدة مرات ليختار المخرج أفضلها ثم يضيف على المشهد بالمونتاج المؤثرات والموسيقى، وبين ممثل يقف على خشبة المسرح أمام جمهور حي لا يستطيع أن يقول لهم: انتظروا نعيد المشهد من البداية، المسرح يحتاج إلى صوت وحضور وحفظ وانضباط وسرعة بديهة وقدرة على التفاعل مع الممثلين والجمهور، أما التمثيل التلفزيوني فيحتاج إلى فهم الشخصية وضبط التعبير ومعرفة مواقع الكاميرا والمحافظة على الإحساس نفسه عند تصوير المشهد من زوايا متعددة، المشهور بالسوشل ميديا عندما يدخل مجال الدراما ممثلاً، اعتاد أن يكون هو نفسه وأن يتحدث بطريقته وأن يكرر عباراته التي عرفه الناس بها، غير قادر على الخروج من نفسه والدخول في شخصية أخرى، ولهذا نشاهد بعض المشاهير في المسلسلات ونجد أنهم يؤدون جميع الأدوار بالشخصية نفسها، إذا كان موظفاً فهو المشهور نفسه وإذا كان طبيباً فهو المشهور نفسه مرتدياً نفس لباسه، وإذا كان ضابطاً فهو المشهور نفسه وقد وضع على كتفه رتبة، لا تتغير نبرة صوته ولا مشيته ولا تعبيراته ولا طريقته في الكلام، إنه لا يمثل الشخصية بل يجعل الشخصية تمثله، في المسرح ينكشف للجمهور لأن خشبة المسرح كاشفة لا ترحم ولا توجد فيها فلاتر تُجمّل الأداء، قد ينسى المشهور الحوار فيستعين بحركاته المعروفة أو يخرج عن النص بحثاً عن ضحكة سريعة أو يحول المشهد إلى فقرة من اسلوبه الشخصي، وربما ضحك الجمهور أول مرة ثم يكتشف أن المسرحية اكبر من قدراته وشهرته.!

القضية لا تتوقف عند فشله في مسلسل أو مسرحية، بل تمتد إلى المشاهدين من الأجيال الناشئة، فالمراهق الذي يرى شخصاً لم يقدم علماً ولا فناً ولا مهارة، ثم يجد الأبواب تُفتح أمامه والأموال تنهال عليه والبرامج تستضيفه والمسرح يمنحه البطولة، سيصل إلى نتيجة مؤلمة وهي لا حاجة إلى التعليم أو التدريب أو القراءة افعل أي شيء يثير الانتباه وبعد ذلك ستأتيك الشهرة بالأدوار والإعلانات، كما أن استعانة الدراما بغير الموهوبين تحرم ممثلين حقيقيين من فرصهم، هناك شباب يدرسون المسرح ويتدربون سنوات ويقفون في طوابير الاختبارات، ثم تُمنح الأدوار لمن يملك متابعين أكثر، وبهذا يصبح الفنان مطالباً بأن يكون مشهوراً قبل أن يعمل، مع أن الطبيعي أن يعمل ويبدع حتى يصبح مشهوراً، ولست ضد انتقال مشهور وسائل التواصل إلى التمثيل، فالموهبة قد تظهر في أي مكان وبعض المشاهير يمتلكون حضوراً حقيقياً وقد ينجحون إذا تعلموا وتدربوا واحترموا المهنة، الاعتراض هو على من يعتقد أن ملايين المتابعين يمنحه تلقائياً الوقوف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح ليجد نفسه مبهوراً أم الجمهور، واعتقد أن الحل ليس في إغلاق الأبواب أمام المشاهير، بل في إخضاعهم للمعيار نفسه الذي يخضع له غيرهم، اختبار أداء وتدريب والتزام ودور يناسب قدراتهم، فمن نجح فمرحباً به فناناً ومن لم ينجح فليعد إلى حسابه، حيث يستطيع إعادة تصوير المقطع حتى يرضى عنه، فما اكثر المشاهير حين تعدهم، لكنهم في الدراما قليل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد