منشور بسيط يوجّه المواطنين السعوديين الذين أُلغيت رحلات عودتهم أو تأجلت إلى كيفية التصرف. إجراء إداري يتكرر في مثل هذه الظروف. لكنه كشف عن حقيقة مشاعر المواطن المصري العادي نحو ما يحصل من اعتداءات من الحوثيين على أراضي المملكة. لن ترى هنا سفسطة مناصري ميليشيات إيران المعتادين، في مصر وخارجها، الذين يدّعون الحديث باسم الجماهير. ولن ترى أيضاً متخصصي حملات السوشال ميديا ومتعمدي إشعال نارها.
فقط مواطنون عاديون، إما عاشوا في المملكة، أو لهم قريب عاش فيها، ولا ينسون كرم النفس وحسن التعامل. أو أناس تجمعهم بالمملكة الصلات الروحية التي عززت مكانتها، وأضافت إلى ثقلها ثقلاً معنوياً فريداً.
ولا شك أن الموضوع يمتد إلى أكثر من مليار شخص يرتبطون روحياً بالأراضي المقدسة، ويشاهدون مطارات يرتادها معتمرون من كل العالم تتعرض لاعتداء، ويرون الميليشيات الحوثية على حقيقتها، حركة تستخدم الإرهاب ولا تفرق بين مدني وعسكري.
الإشارات النفسية مهمة للغاية في زمن الانفتاح الإعلامي الذي نعيشه. وهي أداة في طليعة النوايا، تكشفها وتمهد لها.
والإشارات النفسية مهمة أيضاً في الصراع على الأرض.
القرارات التي يتخذها كيان سياسي لا تعكس فقط قدراته، بل تعكس حالته النفسية. التصعيد ربما يكون دليل قدرة، لكنه كثيراً ما يكون دليل يأس. يدفع الكيان السياسي ثمنه أضعافاً، في مستقبل غير بعيد. رأينا ذلك في قرارات اتخذها «حزب الله». ورأيناها في قرارات اتخذتها «حماس». والآن، لحظة الحوثيين إلى الحماقة نفسها.
يتسامح العالم - مخطئاً - مع الميليشيات ما لم تتجاوز خطوطاً حمراء. والميليشيات تفهم هذه الحقيقة. وتحجز نفسها عن تجاوزها. لكن في لحظة اليأس تنهار الحسابات. ويضيق المستقبل إلى الدرجة التي ترى فيها خط النهاية بعينها المجردة. فتسارع إلى استخدام كل ما لديها.
والخطوط الحمراء ليست أفعالاً فحسب، بل ولاءات. الحوثيون - والعالم كله يعرف علاقتهم بإيران - لطالما نفوا هذه العلاقة. أو، على أقل تقدير، نفوا طبيعتها التبعية وأصرّوا على أنها صداقة بين نظراء. وروجت لهذا جهات ناسَبَها أن تصدقه. بل واستخدمت هذه الحجة دول لكي تحقق أغراضاً غير معلنة. كما فعلت إدارة بايدن حين رفعتهم عن قائمة الإرهاب.
بدافع من اليأس والعجلة، وضيق المستقبل، حتى هذه المنفعة لم يعد الحوثيون يسعون إليها. وما من مهرب من السؤال: لماذا؟ ما الذي تغير في الصراع جعلهم يستهدفون مطارات ويقتلون مدنيين بوضوح؟
والإجابة، تغيُّر وضع إيران وتأزُّمُه. تريد الآن فوراً الإشعال إلى آخر حد. ومُشعل الحرائق السابق، «حزب الله» انهزم هزيمة كبرى. و«حماس» انتهت هي الأخرى. وجاء الدور الآن على الحوثيين لكي يقدموا مقابلاً انتحارياً يثبت الولاء التام. حيث لا مجال لمساومة ولا أقنعة.
إنها الحالة النفسية. وهي تنبئ بالقادم. حيث لن يختلف مصير تلك الميليشيات عن المنتحرين السابقين، الذين فضّلوا أوامر إيران على أمن شعوبهم.

