عبدالعزيز التميمي
يا شقيقي العربي الحوثي، إلى متى يبقى السلاح لغةً للحوار، والدم لغةً للخلاف، والبعيد صاحب الكلمة المسموعة، فيما يُترك القريب لوجع الفقد ومرارة المصاب؟ إلى متى يُستمع إلى من يأتي من وراء الحدود، فيُصدَّق قوله، ويُتَّبع أمره، ولو كان الثمن دم شقيق، أو دم جار، أو دم إنسان لا ذنب له سوى أنه يعيش على أرضٍ اختلف أبناؤها على السلطة والسياسة؟
أخاطبك اليوم لا بلسان الخصومة، ولا بروح الشماتة، وإنما بلسان الأخوة التي تجمعنا، وبصوت الضمير الذي ينبغي أن يعلو فوق أصوات البنادق. فأنت يمني عربي مسلم، لك في هذا الوطن حق، ولأخيك اليمني الحق نفسه؛ لا وطن يُختزل في جماعة، ولا كرامة تُصان بإهدار كرامة الآخرين. الوطن للجميع، والدين لله، والدم الإنساني ليس ثمناً لمشروع سياسي، ولا قرباناً لمصلحة خارجية.
لقد جعل الإسلام حرمة النفس الإنسانية أمراً عظيماً، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33). وقال سبحانه في الوعيد الشديد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93).
فأيُّ مبررٍ يبقى أمام هذا النص القرآني لمن يستهين بدم الإنسان؟ وأيُّ شعارٍ يسمو على حق الحياة؟
إنّ الاختلاف في الرأي، مهما بلغ، لا يمنح أحداً تفويضاً بإهدار دم الآخر، ولا يحوّل الأخ إلى عدو، ولا يجعل الجار خصماً تُستباح حرمته.
يا شقيقي الحوثي، تأمل معي هذه الأسماء: تبوك، وخميس مشيط، والرياض، وعدن، وصنعاء. ما ذنب إنسان قُتل أو رُوِّع في أيٍّ من هذه المدن؟ وما ذنب أمٍّ تفقد ابنها، أو طفلٍ ينتظر أباه فلا يعود، أو أسرةٍ تتحول فرحتها إلى مأتم؟
إن الدمعة لا تسأل...، واليتيم لا يخفف ألمه اسمُ الجهة التي فقد أباه على يدها، والأم لا تجد في الشعارات عزاءً يعيد إليها فلذة كبدها.
إنّ من أشد ما يؤلم النفس أن يتخذ المرء من الغريب سنداً على القريب، وأن يسمع من البعيد ما يدفعه إلى إيذاء الشقيق، وأن ينسى حق الجوار والرحم والنسب، ثم يظن أنه بذلك ينتصر لوطنه ودينه.
إنّ الاستعانة بالآخرين ليست عيباً في ذاتها، ولكن العيب أن تتحول العلاقة بهم إلى تبعية تسلب الإنسان قراره، أو إلى طريق يفضي إلى قتال أبناء وطنه وإضعاف بلاده.
وقد أمرنا الله بالإصلاح، فقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10).
فأين نحن من هذه الأخوة حين تتقدم رايات الفرقة على راية الوطن، وحين يصبح الاختلاف سبباً للعداوة بدلاً من أن يكون باباً للحوار؟
ولأن للكلمة الصادقة مكاناً في النفوس، أقول شعراً:
يا صاحِ، إنَّ الدمَّ الحرامَ أمانةٌ
والظلمُ مهما طالَ ليسَ يُخلَّدُ
لا تجعلَنَّ البُعدَ يُغريكَ بالأسى
فالأهلُ أولى أن تُصانَ وتُرفَدُ
إنَّ البلادَ بكلِّ أهلِكَ تُرتجى
وبغيرِ جمعِ شملِها لا تُسعَدُ
يا شقيقي، ليس النصر أن تتغلّب جماعة على جماعة، ولا أن يرفع طرف رايته فوق أنقاض بيوت أبناء وطنه؛ النصر الحقيقي أن يتوقف نزيف الدم، وأن يجلس المختلفون إلى طاولة الحوار، وأن يتنازل الجميع عن الغرور لمصلحة اليمن، وأن تُصان سيادة البلاد وكرامة شعبها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
إنني أدعوك، وأدعو كل من يحمل السلاح من أبناء اليمن، إلى مراجعة المواقف، وتغليب الحكمة، وفتح أبواب المصالحة. فالتاريخ لا يرحم من أضاع وطنه في سبيل نفوذ عابر، والأجيال القادمة لن تسأل فقط من انتصر في معركة، بل ستسأل من حفظ اليمن، ومن صان دماء أبنائه، ومن أعاد للأخوة معناها.
عارٌ على الجار أن يجور على جاره، وعارٌ على الشقيق أن يقتل شقيقه، وعارٌ على ذي الرحم أن ينسى حق رحمه. أما الاختلاف، فله الحوار؛ وأما المظالم، فلها العدل؛ وأما الدماء، فلها حرمتها التي لا تسقط بالشعارات ولا تبررها الخصومات.
يا شقيقي الحوثي، ما زال باب الرجوع إلى الحق مفتوحاً، وما زال في اليمن رجال عقل وحكمة قادرون على جمع الكلمة إذا صدقت النوايا. فلا تجعلوا من الخلاف قدراً أبدياً، ولا من السلاح ميراثاً للأبناء، ولا من العداوة عقيدةً تحكم مستقبل الوطن.
أسأل الله أن يهدي قلوب اليمنيين إلى الصلح، وأن يحقن دماءهم، وأن يجمعهم على كلمة سواء، وأن يحفظ اليمن وسائر بلاد العرب والمسلمين من الفتن والحروب.
فالأوطان لا يحميها أن يقتل أبناؤها بعضهم بعضاً، وإنما يحميها أن يعرفوا أن دم الشقيق من دم الشقيق، وأن الوطن حين ينزف لا ينتصر فيه أحد.

