موسى بهبهاني
مَن هو المُعلّم؟
المُعلّم هو الذي يساعد الطلبة على اكتساب المعرفة من خلال المراحل الدراسية المختلفة، فهو يمنح الثقة والدافع للطالب الذي قد يحتاج إلى كلمة تشجعه على النجاح، ويسهم في إعداد جيل قادر على تحمّل المسؤولية، فالمعلم ليس مجرد شخص ينقل المعلومات إلى الطلبة، بل هو مربي الأجيال، مُشَيِّد الفكر، ومؤثر فاعل في مستقبل المجتمع، فالكلمة التي يقولها، والقيم التي يغرسها، والطريقة التي يتعامل بها قد تترك أثراً إيجابياً مع طلابه، فهو ذو عطاء غير محدود يحاول جاهداً بذل كل ما في وسعه من أجل بناء شخصية الطلبة بالعلم والأخلاق، وبالتالي يُسهم في تقدم المجتمع وتطويره ليكمل الأبناء مسيرة النهوض بالوطن من خلال الأعمال الوظيفية التي توكل إليهم لاحقاً.
ويظل المعلم في كثير من الأحيان القدوة الحسنة التىي يقتدي بها الطالب في سلوكه وأسلوبه وتعامله مع الآخرين.
فإذا أردنا مجتمعاً متقدماً، فعلينا أن ندرك أن الاستثمار الحقيقي الذي يبدأ من المدرسة، ومن تقدير المعلم ودعمه لأنه من يؤهل الطبيب - المهندس - القاضي - العسكري - الإعلامي - والقائد مستقبلاً.
ولذلك، المعلم يستحق التقدير والاحترام باعتباره الركيزة الأساسية لإعداد الأجيال وبناء المستقبل، وقبل أيام قليلة في الخامس من أكتوبر كان الاحتفال باليوم العالمي للمعلم.
بداية الحدث
قامت وزارة التربية بإصدار قرارات مفاجئة عدة من التنقلات طالت عدداً لا يستهان به، شملت نقل - 8703 - معلماً من مدرسة ومنطقة تعليمية إلى أخرى.
– ذكر أحد المسؤولين بأن القرار اتخذ بسبب تكدس بعض المدارس بمعلمين فوق الحاجة الفعلية للمادة!
ومن هذا المنطلق نستعرض ما يلي:
1 - هل من الصواب اتخاذ هذا القرار بعد أن بدأت السنة الدراسية فعلياً؟
التوقيت غير مناسب وله آثار سلبية متعددة،
- (زعزعة استقرار الطالب - تغيير المعلم بعد بداية الدراسة يقطع التواصل والانسجام الذي بدأ يتشكل بين الطالب ومعلمه وقد يؤثر على التحصيل العلمي- تضطر الإدارة المدرسية إلى إعادة توزيع الحصص وتعديل الجداول -عدم مراعاة الجانب النفسي للمعلم حيث النقل بشكل مفاجئ بعد أن استقر في مدرسته يشعره بعدم الاستقرار الإداري ).
2 - أليس هناك متابعة مسبقة للمسؤولين عن الأعداد الفعلية للمعلمين في المدارس؟
-هذا مؤشر بوجود خلل بالمنظومة الإدارية والتخطيط بعدم وجود متابعة دقيقة ومسبقة قبل بداية العام الدراسي، عادةً تقوم إدارة المدرسة مع الوزارة بإجراء دراسات للاحتياجات التقديرية (أعداد الطلاب مقابل أعداد المعلمين) خلال الإجازة الصيفية وقبل بدء العام الدراسي.
3 - أين دور الكادر الإداري ( مدير - مدير مساعد ) في حالة الزيادة أو النقص بالمعلمين؟
الكادر الإداري بالمدرسة هو «عين الوزارة في الميدان»، ورفع التقارير إلى الجهات المعنية بالوزارة في حالة الزيادة أو النقص بالكادر التعليمي بالإضافة إلى تنظيم جداول المعلمين لكل المواد الدراسية.
4 - ما أسباب الخلل المفاجئ؟
هل بسبب بلوغ المعلمين إلى سن التقاعد، أو بسبب التوقيت المفاجئ لإنهاء خدمات المعلمين الوافدين والتي طالت 7019 معلماً مع بداية العام الدراسي، ألم يكن من الأفضل تأجيل مثل هذه القرارات الضخمة (إنهاء الخدمات والنقل الجماعي) إلى نهاية العام الدراسي لتفادي إرباك المدارس والطلبة والمعلمين في العام الدراسي الفعلي.
5 - وهنا يتضح أن حسن إدارة المرفق التعليمي لا يقاس بالقرارات الإدارية، بل بمدى القدرة على توفير بيئة مستقرة، عادلة، ومحفزة لكل من المعلم والطالب، فالإدارة الناجحة تتكامل مع منتسبيها، وترتكز على الدعم والتقدير لا على الأوامر الجافة، فالمعلم متى ما وجد التقدير، كان أول المبادرين للعطاء، ولتأطير هذا العطاء، يصبح من الضروري إيجاد لوائح حازمة تحفظ كرامته وتكفل حقوقه عملياً، واجتماعياً ومادياً.
إذا أردنا أن يكون العطاء المتميز من المعلم نقترح التالي:
– تخفيف الأعباء الإدارية والروتينية (كالأنشطة والمناوبات) لتفريغه للتدريس.
– الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي عبر ربط مقار العمل بموقع السكن ضماناً لتفرغه التام لأداء رسالته التربوية دون تحمل أعباء ومخاطر التنقل لمسافات طويلة.
– منح المعلم الثقة والتقدير وإشراكه بصورة فعلية في تطوير المناهج يعد خطوة جوهرية للانتقال من التعليم التلقيني إلى التعليم الإبداعي، فالمعلم هو الخبير الميداني الأقدر على تقييم ما يصلح للطلاب وما يحتاج إلى تعديل.
– تنظيم قرارات الإحلال لضمان عدم الخلل بالمنظومة التعليمية وجدولة خطط التكويت لتكون حصرية في الإجازة الصيفية لضمان استقرار العام الدراسي ومنع أي خلل بالمنظومة التعليمية.
المُعلم المبادر
– لن يرفض المعلم سد النقص في الحصص أو المهام التعليمية إذا وجد قنوات التواصل القائمة على الاحترام المهني، فالمعلم متى ما وجد التقدير، كان أول المبادرين للعطاء، وبذلك يتحول التكليف من عبء إداري إلى مبادرة تطوعية يقبل عليها برضاء وشغف.
ختاماً:
المعلم ليس مجرد موظف يؤدي واجباً، بل هو صاحب رسالة، وهو الذي يغرس في الأرض بذور النهضة، ويُنمي في القلوب وعي الأمة، إنّ الأمم والشعوب تُقاس بقدر ما توليه من اهتمام وتقدير لمعلمها، فالمعلم يصيغ العقول وينمي القيم ويبني الحضارات، فإذا أعليت مكانته سمت الأمة، وإذا انتقص من حقه تعثرت.
ولذلك، احترام مهنة التعليم يبدأ من تقدير المعلم كشريك أساسي في المنظومة التربوية، وليس مجرد منفذ للقرارات، وإن تم إشراك المعلم في صناعة القرار يرسخ مكانته في المنظومة التعليمية كمهنة تحظى بأعلى درجات الاحترام والتقدير، خصوصاً عندما يشعر المعلم بأن صوته مسموع وأن رأيه يؤخذ بعين الاعتبار.
فالعلاقة الناجحة بين المعلم والمسؤولين هي علاقة تكاملية قوامها الاحترام المتبادل والحوار البنّاء، وهي الضمانة الوحيدة لنهضة تعليمية حقيقية ومستدامة.
وقد شبّهوا المعلم بالشمعة التي تحترق لتضيء لنا طريق الخير والأمل.
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا
كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.

