بالرغم من الاستخدام الواسع للكلمات العربية في المكاتبات الرسمية والأحاديث، إلا أن هذا الحضور اللغوي لا يعني قبولاً ثقافياً أو شعوراً بالانتماء للعربي، بل العكس ربما يكون اقرب للصحة، حيث تشعر بهم مجبرين على استخدام الكلمات العربية، ولم يقوموا يوما بمحاولات الشاه وغيره «تفريسها»، اي استبدالها بكلمات فارسية، ما أمكن. وبالرغم من حقيقة أن الإيرانيين قبلوا الإسلام، لكنهم لم يقبلوا، حتى بعد 1400 سنة، وجعلها جزءا من هوية الدولة، حكومات وشعبا، وللتغلب على هذا الشعور فإنهم لا يترددون في تكرار القول ان الإيرانيين هم الذين منحوا الإسلام بعده اللغوي والديني والحضاري، ويوردون عشرات الشواهد التي تبين أن من وضع الأحاديث الصحاح، ومن أسس المذاهب الإسلامية، ومن وضع قواعد اللغة العربية، كانوا في غالبيتهم، إن لم يكن جميعا من الفرس، هذا بخلاف أن غالبية «علماء الإسلام»، كانوا أيضا منهم. لكن المشكلة أن الفئة الحاكمة في إيران، ربما بخلاف غالبية الدول الإسلامية، تستمد قوتها وشرعيتها، الدينية والمذهبية، من الدين واللغة العربية، لكنها بسبب «فخرها القومي» فإنها لا تميل للعرب، وتعتقد أن تاريخها وحضارتها يجعلانها أعلى مكانة ممن انتصروا عليهم وحكموا بلادهم طويلا، وهذا يعني بقاء ذلك الصراع بداخلهم، ربما للأبد. بعد أن فشلت كل محاولات التوفيق بين النقيضين، وحاولت فوق ذلك، ونجحت لفترة، في حكم عدة دولة عربية، بصورة شبه مباشرة. ولتحقيق هذا التوازن، يقول الأستاذ «محمد الرميحي»: سلك النظام مسارين متوازيين؛ الأول تعظيم البعد المذهبي خارج إيران، خصوصاً في بعض الدول العربية، لإظهار أن نفوذ الجمهورية الإسلامية يمتد عبر الانتماء المذهبي، وهو ما يخاطب الداخل الإيراني بوصفه دليلاً على القوة والتمدد. أما المسار الثاني فكان إبقاء مسافة سياسية ونفسية مع العرب، بل استخدام مصطلحات ذات دلالة سلبية مثل «الأعراب»، وهو تعبير قرآني ارتبط في سياقه الأصلي بوصف فئة محددة من المتخلفين عن قيم الإسلام، لكنه استُخدم لاحقاً بطريقة ملتبسة تخدم الخطاب السياسي أكثر مما تخدم الدقة اللغوية أو الدينية.
هذه الازدواجية تكشف أن الأزمة ليست في السياسة الخارجية وحدها، بل في تعريف هوية الدولة نفسها؛ هل هي دولة قومية فارسية، أو دولة دينية عابرة للقوميات، أو مشروع مذهبي يسعى إلى توسيع النفوذ؟ إن الجمع بين هذه المشاريع الثلاثة في وقت واحد جعل الخطاب الرسمي مملوءاً بالتناقضات.
واللافت أن قطاعات واسعة من الشعب الإيراني لا تشارك هذه الرؤية. فقد ساهمت شرائح متعلمة ومتحضرة في إسقاط النظام السابق، وكانت تتطلع إلى بناء دولة حديثة تتفاعل مع العالم، وتستفيد من منجزاته. غير أن مسار الثورة أخذ اتجاهاً آخر، وانتهى إلى تهميش تلك القوى لمصلحة المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية.
لكل ذلك لم تنجح الجمهورية الإسلامية في حل معضلة الهوية؛ فلا هي استطاعت بناء دولة قومية مستقرة، ولا نجحت في تقديم نموذج ديني قادر على التعايش مع العصر، ولا تمكنت من إقامة علاقات طبيعية مع محيطها أو مع العالم. لذلك تبدو أزماتها الخارجية امتداداً لأزمة داخلية أعمق، هي عجز النخبة عن حسم سؤال: ما هويتنا؟
إن كثيراً من الصراعات التي تشهدها المنطقة لا يمكن فهمها بعيداً عن هذا الالتباس العميق في هوية الدولة الإيرانية، وهو التباس يجعل القرار السياسي أسير التردد بين القومية والدين والثورة، فلا يستقر على مشروع قادر على إنتاج دولة متوازنة ومتصالحة مع نفسها، قبل أن تتصالح مع الآخرين.
آخر الكلام: حين تعجز الدولة عن تعريف نفسها، يصبح كل مختلف في نظرها خصماً، ويتحول الصراع إلى وسيلة لإثبات ذاتها.
وإلى مقال الغد.
أحمد الصراف

