: آخر تحديث

قضية فلسطين في انتخابات بريطانيا

2
3
4

ليس غريباً للوهلة الأولى أن يخسر حزب مقعداً في انتخابات فرعية إنما الغريب فعلاً أن يخسر زعيم حزب الخضر، الأكثر تشدداً تجاه إسرائيل، والرابح بتفوق في انتخابات سابقة لتموضعه في خانة تأييده الحق الفلسطيني. فالواقع السياسي البريطاني بسبب حرب غزة يؤشر (ظاهرياً) لتعاطف واسع مع نكبة غزة وما نزل بها من مصائب ترقى بوصف المحكمة الدولية إلى «حرب إبادة». وهذا التعاطف حثَّ ناخبين كثراً على التصويت في الانتخابات البرلمانية السابقة ضد حزب العمال، فوصل للبرلمان مرشحون مستقلون ما كانوا يحلمون بذلك. فلماذا غيّر الناخبون رأيهم وصوَّتوا الآن ضد زعيم حزب الخضر والمؤيد بشدة لأهل غزة، والناقد الشرس لإسرائيل رغم أنه يهودي؟!

الجواب يكمن في طبيعة السياسة، وميول النفس البشرية، وكلتاهما تفسر هذا الانقلاب غير المتوقع، وتكشف كذلك النتائج الموجعة للقضية الفلسطينية في الغرب، وبالذات في أوروبا. فالمجتمع البريطاني لم يعد بلون واحد بل متعدد الألوان بفعل الهجرة، وتغيَّرت طبقاته الاجتماعية بفعل الاقتصاد، وبهذا أصبح الناخب يُصوِّت مدفوعاً بمواريث اجتماعية اكتسبها من أهله النازحين، وأصبحت همومه هموم أجداده وقضاياهم بينما على الطرف الآخر بقي المواطن الأصلي بالعموم مشغولاً أكثر بإرثه الثقافي المتهاوي بفعل العولمة، ومهموماً بتدني طبقته الاجتماعية بفعل الاقتصاد النيوليبرالي المتوغل، وانزياح الدولة عن توفير بدائل كان ينالها دونما جهد في ماضٍ انصرم. فالناخب من أصول خارجية يصوت بدوافع نفسية يُقدم فيها مظالم الخارج على قضايا الداخل بفعل التكوين النفسي والانزياح العاطفي، والمواطن الأصلي يرى في المقابل التحولات الاقتصادية خطراً على رفاهيته، وينظر إلى مشكلات الخارج، والهجرة، على أنهما تهددان طريقة عيشه، وتفسدان ثقافته، وتقاليده. وعلى هذا الوتر تلعب الأحزاب اليمينية المتشددة وغيرها دوراً مهماً وترفد هذا التوجه الخطر على وحدة المجتمع الداخلية، وعلى التضامن البشري الإنساني خارج حدود الدولة؛ بهذا ينفرز المجتمع إلى مع وضد؛ وبما أن الوافد بأصوله الخارجية يبقى، مهما تمكّن، قليل العدد، إنما كبير الأثر إعلامياً، وهذا بالذات يُحمس الناخب الآخر (الأصلي) على تركيز مسار يغاير الأول، فيصوّت لمصالحه الداخلية، ويتراجع عن القضايا الخارجية العاطفية، ويزداد حنقاً لاعتقاده أن السلطة تستقطب القلة (الوافدة) على حساب الكثرة.

هذه الطبيعة النفسية في المجتمع تلاقيها الطبيعة السياسية وبالذات البراغماتية للسياسيين الذين يهتمون بالوصول إلى السلطة عبر الاستجابة لرغبات الناخبين قدر الإمكان، وبما لا يتعارض مع أولويات الدولة ومصالحها الكبرى، وبما لا يضر بمصالح وأهداف أصحاب المال والنفوذ، والقوى العميقة في الدولة. فرئيس الوزراء السابق كير ستارمر، رغم خلفيته اليسارية، لم يرَ خلال ولايته في وحشية إسرائيل في غزة وما نتج عنها من مآسٍ ما يحمله على الوقوف بوجه إسرائيل، بل برَّر، في عز القصف والقتل، لنتنياهو أفعاله، ولم ينفع تراجعه لاحقاً، بعدما تبين صعوبة هضمها من كثير من الناخبين. هذا الموقف اللامبالي أطلق عنان العاطفة عند الناخب، وبالذات تلك الفئة التي تحمل قضايا الخارج، فصوتت ضده في انتخابات فرعية وفي دوائر كانت لها أغلبية في العدد أو التأثير، فكانت خسارة موجعة لحزبه في المقاعد وفي السمعة، والأهم ارتفاع شعبية حزب الإصلاح اليميني المتشدد المؤيد بشدة لإسرائيل لأسباب ثقافية ودينية. وبما أن الطبيعة السياسية تتغير مع تغير نمط التصويت وحسابات الأصوات، ومطالب الناخبين، اعتمد رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام، بعد تسلمه السلطة، سياسة أذكى من سلفه، فاعتذر عن موقف حزبه السابق من غزة، وصعَّد من إجراءاته ضد إسرائيل، إنما من دون تجاوز سقف متطلبات الدولة العميقة وحق إسرائيل الوجودي.

بهذه السياسة صادر قضية غزة إنسانياً، وبدأ بخطوات تخفف وطأة الواقع الاقتصادي على الطبقة المهمشة والوسطى، وصمم على استرجاع المنافع العامة من كهرباء وماء ومواصلات من القطاع الخاص إلى الدولة. كما أظهر نفسه صاحب قرار بالوقوف ضد إسرائيل (ظاهرياً) وضد ترمب تكتيكياً. بينما تابع حزب الخصر سياسة تجاهل التغير في طبيعة السياسة، عند حزب العمال، وراهن على قضية فلسطين مركِّزاً على الطبيعة النفسية، فتبنى حزبه أن «الصهيونية تعادل العنصرية»، وبالغ في هذا المسار كثيراً فخسر الناخب الأصلي، ومعه شرائح أخرى غير أصلية مهتمة أكثر بمعيشتها. واعتقد زعيم حزب الخضر أنه سيحوز أصوات الناخبين الأصليين وآخرين، لكنه فوجئ بتصويت الأكثرية لمرشحة حزب العمال الصومالية الأصل التي تجمع بشخصها وراثة قضية الخارج (فلسطين)، وبحزبها الاهتمام باهتمامات الناخب المعيشية.

تُبرز هذه التحولات كلها في بريطانيا، ومثيلاتها في أوروبا، حقيقةً واضحةً؛ أن قضية فلسطين لم تكن محورية في تفكير صنَّاع القرار بل أداة تستخدمها أحزاب متنوعة إما لجذب الناخب وإما لتخويفه، وكعادة الأداة تكون إما قاتلة بيد محترف وإما مدمرة بيد مبتدئ أو انتهازي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد