: آخر تحديث

علي... وخبزة الزعتر

2
4
4

حسين الراوي

في صباحٍ بعيدٍ من طفولةٍ لا تُنسى، تبدأ الحكايات أحياناً من مقعدٍ صغير في الصف الأول الابتدائي، لكنها تمتدّ لتسكن العمر كله.

كان الزميل علي، الذي أطلقتُ عليه لاحقاً «علي زعتر»، أول جارٍ لي على طاولة الدراسة. لم يختره قلبي ولا اختارني قلبه، بل جمعنا القدر في يومنا الدراسي الأول. كان طفلاً يختلف عن بقية الأطفال، ليس في ملامحه فقط، بل في تلك الحركة الخاصة لعينيه، وفي طريقته المتعثرة في الكلام، كأنه يحاول أن يلتقط الكلمات من هواءٍ ثقيل قبل أن ينطقها. ومع ذلك، كان في حضوره صدقٌ لا يُقاوم، وهدوءٌ يسبق كل تصرفاته.

مرت سنوات المرحلة الابتدائية ونحن معاً، يوماً بيوم ودرساً بدرس. لم يكن علي، كثير الكلام، لكنه كان كثير المشاركة؛ يشارك ما يملك بلا تردد، وكأن القليل عنده يكفي ليصنع فرحاً عند الآخرين. ومن بين ما كان يملكه، بقيت «خبزة الزعتر» التي كانت تُعدّها والدته علامةً صغيرة على كرمٍ أكبر من عمره. كان يقسمها معي في الفسحة بلا حساب، وكأنها طقسٌ يومي لا يحتاج إلى تفسير.

ذات يوم، التقيت والدته عند باب المدرسة، فقلت لها ببراءة طفل إنني أحب خبزة الزعتر التي نتقاسمها أنا وعلي. لم أكن أعلم أن جملة بسيطة يمكن أن تغيّر شيئاً في حياة طفلين. فمنذ ذلك اليوم، أصبحت تصلني معه خبزة زعتر إضافية، وكأن الأم أرادت أن تُضاعف فرح الصباحات الصغيرة.

انتهت المرحلة الابتدائية، وغاب علي، فجأة مع انتقالنا إلى المتوسطة. بحثت عنه بين الوجوه، وسألت عنه بين الأصدقاء، لكن أحداً لم يعرف أين ذهب. ومع مرور الوقت خفتت الأصوات، وبقيت الذكرى وحدها، إلا أن «خبزة الزعتر» بقيت حيّة في الذاكرة أكثر من كثير من التفاصيل التي تبدو أهم.

كبرت الحياة، وتبدلت الوجوه، وتراكمت الأيام، حتى وصلتُ إلى يومٍ عادي في أحد المستشفيات.

كنت جالساً أنتظر دوري، حين دخل رجل وجلس بقربي. لم أحتج وقتاً طويلاً لأعرف أن شيئاً من الماضي قد عاد. النظرة المرتبكة في العينين نفسها، والحركة في الشفتين ذاتها، والتردد قبل الكلام نفسه، كأن الزمن قرر أن يفتح نافذة على الطفولة دفعة واحدة.

بعد أن دقق ذلك الرجل فيّ، قال: السلام عليكم ورحمة الله.

رددت التحية، لكن ذهني كان قد غادر المكان، عاد إلى ذلك الصف الصغير والطاولة الخشبية وطفلٍ اسمه «علي زعتر». التفتُّ إليه وسألته: هل أنت علي زعتر، زميل الدراسة؟ فابتسم على الفور وهزّ رأسه وقال: نعم، أنا هو.

وفي لحظة واحدة، سقطت كل المسافات. لم يعد هناك طفل ولا رجل غريب، بل ذاكرتان التقتا في منتصف العمر. وقفنا وتعانقنا، وكأن السنوات الطويلة لم تكن سوى طريقٍ عابرٍ بين لحظتين من الصداقة الصافية.

بعد انتهاء المراجعة الطبية، اتجهنا مباشرة إلى أحد المقاهي، وهناك جلسنا نستعيد ذكريات المدرسة الابتدائية بحنينٍ وشوقٍ كبيرين. ثم تبادلنا أرقام الهواتف، واتفقنا على أن تبقى الصلة بيننا حاضرة لا تنقطع.

رغم السنوات الطويلة، بقيت «خبزة الزعتر» أكثر من مجرد طعامٍ صغير في ذاكرة الطفولة؛ كانت رمزاً دافئاً ليدٍ كريمة هي يد أم علي، وقلبٍ لا يعرف إلا العطاء.

وهكذا أدركت بعد سنوات طويلة أن بعض الأصدقاء ليسوا مجرد أشخاص عابرين في الذاكرة، بل أوطان صغيرة نحملها في داخلنا، نعود إليها كلما أثقلتنا غربة هذا العالم.

علي زعتر، لم يكن زميل دراسة فقط، بل كان وطناً من البراءة، وقطعة دفءٍ من زمنٍ لا يُنسى ولا يُعوّض.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد