كشفت ورقة تقدير موقف صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) عن تحولات ملحوظة في اتجاهات الرأي العام الفلسطيني تجاه الحرب في قطاع غزة، وحركة حماس، وخيار المقاومة المسلحة. واستندت الورقة إلى بيانات مسحية وميدانية، من بينها استطلاعات للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، واستطلاع أجراه المعهد في الضفة الغربية بين 27 حزيران (يونيو) و2 تموز (يوليو) 2026.
وتشير الورقة، التي نُشرت في السادس من أيلول (سبتمبر) 2026، إلى تراجع نسبة الفلسطينيين الذين يعتقدون بانتصار حماس من نحو 70 بالمئة في بداية الحرب إلى قرابة 20 بالمئة في آب (أغسطس) 2026.
غير أن هذا التراجع يعكس، في المقام الأول، انخفاض الثقة بالقدرة على تحقيق نصر عسكري، ولا يعني بالضرورة التخلي عن الحقوق الوطنية أو القبول بالشروط الإسرائيلية.
وأيضًا لا بد من الإشارة إلى اختلاف الموقف بين غزة والضفة الغربية، حيث تختلف مواقف سكان قطاع غزة عن سكان الضفة الغربية بسبب اختلاف التجربة المباشرة مع الحرب.
فسكان غزة واجهوا القصف والتهجير والدمار وانهيار الخدمات، ولذلك يرتبط تقييمهم للحرب وحماس بالثمن الإنساني والمعيشي المباشر. وقد يدفع هذا الواقع إلى تراجع الاعتقاد بإمكان تحقيق انتصار عسكري، من دون أن يعني التخلي عن المقاومة أو قبول نزع سلاحها قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
أما سكان الضفة الغربية، فلم يعيشوا مستوى الدمار نفسه، لكنهم يواجهون الاستيطان والاقتحامات والاعتقالات وتدهور الوضع الاقتصادي والأمني. ويخشى كثيرون انتقال نموذج غزة إلى مدنهم وبلداتهم، إذ أظهرت الورقة أن 74 بالمئة من المستطلعين يخشون تعرض الضفة لدمار مشابه لما حدث في القطاع.
ولذلك يميل جزء من سكان الضفة إلى المفاوضات أو المقاومة الشعبية، لا بالضرورة اقتناعًا بالمسار السياسي الحالي، بل خوفًا من كلفة الحرب وغياب أي ضمانات لحمايتهم.
وتبدو العلاقة بحماس مختلفة بين المنطقتين. ففي غزة ترتبط الحركة بحكمها الطويل للقطاع وبإدارتها المباشرة للحياة اليومية، بالرغم من تراجع الثقة بقدرتها على تحقيق انتصار عسكري. أما في الضفة، فالموقف أكثر تشتتًا بين حماس والسلطة الفلسطينية والفصائل الأخرى.
ومن الخطأ تعميم نتائج استطلاع الضفة على جميع الفلسطينيين، لأن الفروق الجغرافية والسياسية والإنسانية مؤثرة في تشكيل الرأي العام.
أما المفاوضات والمقاومة فبينهما خط واضح، إذ أظهر استطلاع خاص في الضفة الغربية أن 52 بالمئة يفضلون المفاوضات وسيلة لإنهاء الاحتلال، مقابل 13 بالمئة للمقاومة الشعبية غير المسلحة و12 بالمئة للمقاومة المسلحة، فيما أجاب 21 بالمئة بـ"لا أعرف".
ومع ذلك، لا تعني هذه الأرقام تحولًا كاملًا نحو رفض المقاومة، ولا تعني أنها تمثل كل الفلسطينيين، إذ إن رفض الحرب أو الخوف من الدمار لا يساويان قبول الاحتلال أو التخلي عن المطالب الوطنية.
وتشير الورقة إلى استمرار الرفض الشعبي لنزع سلاح حماس قبل تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل وتوفير أفق سياسي واضح. وهذا يعكس تناقضًا بين الرغبة في وقف الدمار من جهة، والتمسك بالحقوق الوطنية ورفض فرض تسوية بالقوة من جهة أخرى.
وأيضًا علاقة حماس والسلطة الفلسطينية لم تؤخذ بالاعتبار في الورقة، إذ إنها ترى، والحديث هنا عن الورقة، أن تراجع صورة حماس قد يفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وإدارية جديدة.
وعند سؤال المستطلعين عن الجهة التي ينبغي أن تدير قطاع غزة، اختار 32 بالمئة حكومة تكنوقراطية أو لجنة وطنية، و21 بالمئة السلطة الفلسطينية، و21 بالمئة حكومة وحدة بين فتح وحماس، بينما اختار 5 بالمئة فقط أن تدير حماس القطاع منفردة. وهذا بحد ذاته يثير الكثير ويقلل من دقة الإحصائيات التي قام بها المعهد، وتحتاج إلى مراجعة وتدقيق.
ولا تعني هذه النتائج أن السلطة الفلسطينية تملك تفويضًا شعبيًا واسعًا، بل تعكس حاجة السكان إلى إدارة مدنية قادرة على توفير الأمن والخدمات وإعادة الإعمار. كما أن استمرار الانقسام وغياب الانتخابات وتراجع الثقة بالمؤسسات يضعف شرعية أي ترتيب سياسي جديد.
ومن هنا لا بد من النظر إلى طبيعة المعهد ومصداقية دراساته، التي بعضها أمنيات، وغيرها توقعات، بعضها جيد وبعضها لا يُعتد به وبعضها موجه، وهذا ليس ببعيد عن علم الاستخبارات والموساد الذي لا يغفل عن دراسة سيكولوجية المتلقي وبناء وتغليف المعلومات التي يمكن أن تكون زائفة أو مركبة بنسب متفاوتة.
تعود جذور معهد دراسات الأمن القومي إلى مركز الدراسات الاستراتيجية الذي تأسس في جامعة تل أبيب عام 1977، ثم تطور بصيغته الحالية عام 2006، ويرأسه اللواء المتقاعد تامير هايمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أمان.
والمعهد ليس جهازًا تابعًا للموساد، ولا يمثل الحكومة الإسرائيلية رسميًا، لكنه لا يمكن اعتباره محايدًا تمامًا. فهو مركز تفكير إسرائيلي مؤثر، يضم أكاديميين ودبلوماسيين وضباط مخابرات سابقين، وتنطلق أبحاثه غالبًا من منظور الأمن القومي الإسرائيلي.
وتختلف دقة الدراسات باختلاف مصادرها ومنهجياتها. ولا توجد أدلة موثقة تثبت أن عددًا محددًا من دراسات المعهد مفبرك أو مزور، لكن لا يُستبعد، كما أن صحة الأرقام لا تعني بالضرورة حياد تفسيرها. فقد تكون البيانات صحيحة، بينما تخدم الاستنتاجات رؤية سياسية معينة.
إذن، ما الهدف من الورقة تلك، ولماذا الآن ويوم نصر تشرين الأول (أكتوبر) 1973؟
لا تكتفي الورقة بعرض اتجاهات الرأي العام، بل توصي إسرائيل بعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، والدفع نحو إعادة الإعمار، وإنشاء إدارة مدنية أو تكنوقراطية، وإشراك قوى دولية وإقليمية، بالتوازي مع تحريك مسارات التطبيع مع السعودية ودول المنطقة.
وعليه، يمكن الاستفادة من الورقة لفهم طريقة تفكير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لا باعتبارها وصفًا نهائيًا للمجتمع الفلسطيني. فالنتائج تعكس تراجع الثقة بالنصر العسكري، وارتفاع الميل إلى التفاوض في الضفة، وتفضيل إدارة تكنوقراطية لغزة، من وجهة نظر أمنية إسرائيلية تروج لها من تلك الورقة، لكنها لا تثبت انتهاء التأييد للحقوق الوطنية أو قبول التسوية بالشروط الإسرائيلية.
الفلسطينيون، مهما طال الزمن وتغيرت الظروف وتبدلت القيادات السياسية وتم توقيع اتفاقات السلام والاستسلام، فلن يقبلوا إلا بإرثهم وأرضهم المغتصبة فلسطين، وسيستمر النزاع وتستمر المقاومة موازية للمفاوضات حتى يعود الحق لأصحابه، ولو بعد 700 عام مثلما حدث مع إسبانيا والعثمانيين، والتاريخ شاهد وسيشهد العالم كله أن الفلسطينيين عائدون ولا يقبلون سوى فلسطين وطنهم.


