: آخر تحديث

السابع من أكتوبر: ثلاث سنوات على الصباح الذي أعاد صياغة المفهوم الاستراتيجي للشرق الأوسط

4
5
4

الساعة السادسة وتسع وعشرون دقيقة صباحًا. في التاريخ السياسي والجيوسياسي للشعوب، نادرًا ما تحتاج التحولات الكبرى إلى عقود لتعيد رسم مجرى الذاكرة والعقيدة الدفاعية، إذ تكفي أحيانًا دقيقة واحدة لتصنع حدًا فاصلًا بين زمنين.

بالنسبة إلينا في إسرائيل، كانت تلك اللحظة نقطة تحول استراتيجي قسمت الواقع إلى ما قبل وما بعد، لم تستيقظ الدولة في ذلك الصباح على جولة جديدة من التوتر المعتاد في المنطقة، بل على مواجهة كبرى ومجزرة أليمة اقتحم فيها آلاف الإرهابيين الحدود والبلدات، لينشأ واقع أمني وسياسي مختلف كليًا.

ثلاث سنوات انقضت على ذلك الصباح، ثلاث سنوات من القتال والفقدان والتضحيات، ومن القرارات الاستراتيجية الصعبة التي لم تُعد صياغة الداخل الإسرائيلي فحسب، بل أعادت تشكيل التوازنات الإقليمية برمتها. لكن هذه السنوات أثبتت أيضًا أن نتائج السابع من تشرين الأول (أكتوبر) لم تكن كما أرادها من خطط لها.

لقد حاولت حركة حماس الداعشية الإرهابية تسويق ما ارتكبته في ذلك الصباح بوصفه "إنجازًا" أو "انتصارًا". غير أن التحليل الاستراتيجي والموضوعي لمفهوم النصر العسكري يحيلنا إلى سؤال جوهري: أي انتصار هذا الذي يبدأ باستهداف المدنيين واختطافهم، لينتهي بإدخال قطاع غزة في حرب كاسحة وتدمير مقومات الحياة فيه؟ إن استخدام المناطق السكنية والمؤسسات الحساسة كمظلة للعمليات العسكرية ينافي تمامًا مفهوم الحماية أو ما يسمى قيادةً. فالقيادة الحقيقية لا ترهن مستقبل أجيالها في مواجهات عبثية، ومن يتاجر بمستقبل مقدرات من يعتبرهم "أهله" يُسقط عن نفسه صفة القيادة ويخون مستقبلهم.

وبصفتي امرأة عربية ومسلمة وإسرائيلية، أرى ضرورة صياغة هذه الحقائق بوضوح، فالإسلام والكرامة الإنسانية لا يتطلبان سفك الدماء ولا يبرران استهداف الأبرياء. وإن مواجهة التطرف الفكري ليست مهمة عسكرية فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية وفكرية تتطلب زرع إرادة الحياة في عقول أطفالنا بدلاً من ثقافة الموت. فالأطفال في غزة يستحقون مستقبلًا يُبنى في المدارس والمستشفيات، لا في الأنفاق والحروب.

على الصعيد الإقليمي، لم تبقَ تداعيات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) حبيسة حدود قطاع غزة، بل امتدت لتصبح مواجهة متعددة الجبهات أثرت على كامل الديناميكية الأمنية في المنطقة. خلال الأعوام الثلاثة الماضية، نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليات استراتيجية استهدفت نحو مئة ألف هدف عسكري في مختلف المسارح، شملت نحو 65 ألف هدف في قطاع غزة، ونحو 28 ألفًا في لبنان وسوريا، ونحو 4٬500 هدف في العمق الإيراني، إضافة إلى عشرات الأهداف في اليمن.

غير أن الجوهر الاستراتيجي لهذه الأرقام لا يكمن في البُعد العددي فقط، بل في إعادة صياغة معادلة الردع، فالقيادات الإرهابية التي اعتقدت لسنوات أن منظوماتها محصنة قد حُيّدت، والقدرات العسكرية التي بُنيت لعقود تعرضت لضربات هيكلية واسعة. والرسالة الاستراتيجية كانت حاسمة: إن الأمن القومي الإسرائيلي ليس موضوعًا للمساومة، وإن مرور الوقت لا يوفر حصانة لمن يهدد حياة المواطنين.

وأمام السؤال المطروح دائمًا: إلى متى تستمر هذه الحرب؟ فإن المنظور الأمني والدفاعي يقدم إجابة واضحة: إن الرغبة في الاستقرار لا يمكن أن تعني العودة إلى معادلة السادس من تشرين الأول (أكتوبر)، أو القبول بـ"هدوء ظاهري" يُستغل لإعادة بناء الأنفاق والقدرات الصاروخية. إن الهدف ليس خوض حرب بلا نهاية، بل تأسيس واقع أمني مستدام يمنع تكرار المأساة ويضمن أمن المواطنين.

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق بين نموذجين: نموذج قائم على التطرف والارتهان للصراع والتدمير، ونموذج يغلب إرادة الحياة والتنمية وبناء المستقبل.

لقد أراد مهندسو السابع من تشرين الأول (أكتوبر) كسر الإرادة الاستراتيجية لدولة إسرائيل، لكن إسرائيل لم تُكسر، بل وقفت دفاعًا عن وجودها ومواطنيها. واليوم، تظل القناعة الراسخة هي أن أبناء هذه المنطقة يستحقون أفقًا آخر، وأننا اخترنا الحياة وسندافع عنها.


إيلا واوية، ليفتينت كولونيل - المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.