تخصّص أوروبا مئات المليارات من اليورو للدفاع، وتفتح مصانع ذخيرة جديدة وتوقّع عقودًا ضخمة للصواريخ والدفاع الجوي. غير أن ميزان حرب الاستنزاف لا يقاس بحجم الموازنات وحده. فروسيا تدخل عام 2026 بقاعدة صناعية تعمل منذ سنوات وفق إيقاع الحرب، بينما لا تزال أوروبا تحاول تحويل قوتها المالية والصناعية إلى إنتاج عسكري بالسرعة والكميات اللتين تتطلبهما مواجهة طويلة.
أنفقت دول الاتحاد الأوروبي 418 مليار يورو على الدفاع في 2025، ويتوقع أن يرتفع الرقم إلى 454 مليارًا في 2026. وفي المقابل، يشير الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته إلى أن روسيا توجّه نحو 40 بالمئة من موازنتها إلى المجهود العسكري، وأن جزءًا واسعًا من اقتصادها يعمل وفق متطلبات الحرب. الفارق يظهر في طريقة تحويل الأموال إلى سلاح جاهز للاستخدام.
دراسة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI خلصت إلى أن روسيا حققت تعبئة صناعية عسكرية أكثر كفاءة منذ بداية الحرب، مستفيدة من مركزية القرار، ومعرفة سلاسل الإمداد والقدرة على توجيه التمويل والائتمان سريعًا إلى المصانع. أوروبا واجهت في المقابل سوقًا دفاعية مجزأة، وتنسيقًا أقل بين الحكومات والشركات وسلاسل توريد موزعة على دول عدة.
فجوة القذائف لم تختفِ
حققت أوروبا أكبر تقدم لها في ذخائر المدفعية. القدرة الإنتاجية لقذائف 155 ملم ارتفعت نحو خمسة أضعاف منذ 2022، وبلغ هدف الاتحاد نحو مليوني قذيفة سنويًا مع نهاية 2025. كما ارتفعت قيمة عقود إنتاج المدفعية التي وقعتها الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو بنسبة 867 بالمئة بين فترتي 2018-2021 و2022-2025.
أما في روسيا، فالإنتاج العسكري يعمل عند مستوى يكشف اتساع الفجوة مع أوروبا. جهاز الاستخبارات الخارجية الإستوني قدّر إنتاج روسيا في 2025 بنحو 7 ملايين قطعة من ذخائر المدفعية الثقيلة إذا احتسبت قذائف الهاوتزر والدبابات والهاون وراجمات الصواريخ. ومن بينها نحو 3.4 ملايين قذيفة للمدافع من عيارات 122 و152 و203 ملم وحدها. كما حصلت موسكو منذ 2023 على ما يقدّر بنحو 5 إلى 7 ملايين قطعة ذخيرة إضافية من كوريا الشمالية وإيران.
المقارنة المباشرة بين الرقم الروسي البالغ 7 ملايين والرقم الأوروبي البالغ مليوني قذيفة عيار 155 ملم تبقى غير دقيقة، بسبب اختلاف العيارات وأنواع الذخائر التي يشملها كل رقم. وعند حصر المقارنة بقذائف المدفعية، يبقى التفوق الكمي الروسي واضحًا، فيما تملك موسكو أيضًا شبكة توريد خارجية تساعدها على رفع معدل الاستهلاك من دون الاعتماد حصرًا على مصانعها.
وتقديرات الناتو نفسها تشمل قدرات تتجاوز أوروبا وحدها. روته أعلن أن إنتاج دول الحلف مجتمعة، بما فيها الولايات المتحدة وتركيا وكندا، قد يصل إلى نحو 4 ملايين قذيفة سنويًا في 2027، ما يجعل الرقم أوسع من أن يعكس القدرة الأوروبية منفردة في مواجهة الإنتاج الروسي.
الصواريخ تكشف الفجوة الأعمق
وتتسع الفجوة أكثر في الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي. شركة MBDA الأوروبية رفعت إنتاجها من الصواريخ بقوة وتستهدف زيادة إجمالية بنسبة 40 بالمئة خلال 2026، مع مضاعفة إنتاج صواريخ "أستر 30".
شركة ديهل الألمانية رفعت إنتاج صواريخ IRIS-T عشرة أضعاف مقارنة بـ2021، فيما تخطط لإنتاج ما يصل إلى 10 وحدات إطلاق خلال العام الجاري. هذه قفزات كبيرة، لكنها تأتي بعد عقود من الإنتاج المحدود والمخزونات الصغيرة. مسؤول عسكري فرنسي حذّر في آذار (مارس) من أن مخزونات صواريخ "أستر 30" و"باتريوت" الغربية تقل عن المستويات المطلوبة.
روسيا تعمل بإيقاع مختلف. الاستخبارات العسكرية الأوكرانية قالت في آب (أغسطس) إن موسكو تجاوزت أهدافها الإنتاجية لعام 2026 في عدد من الصواريخ بنسبة تراوح بين 10 و20 بالمئة، وإنها أنتجت 65 صاروخ "إسكندر-إم" خلال تموز (يوليو) وحده. وتقدّر كييف قدرة روسيا على إطلاق ما يصل إلى 100 صاروخ باليستي شهريًا.
وتضغط روسيا على نقطة ضعف أوروبية أساسية، إذ تواجه المسيّرات والصواريخ الأرخص ثمنًا باعتراضات أكثر تعقيدًا وكلفة، فتستهلك المخزون بوتيرة يصعب تعويضها سريعًا. ومع استمرار الحرب، تتحول القدرة على إنتاج الصواريخ الاعتراضية إلى أحد أهم عناصر ميزان الاستنزاف.
روسيا تنتج الآن وأوروبا تبني القدرة
المسيّرات تضيف طبقة أخرى إلى الفارق. وفق مسؤولين أوكرانيين نقلت عنهم رويترز في أيلول (سبتمبر)، وصلت القدرة الروسية إلى نحو 3 آلاف مسيّرة نفاثة شهريًا، بينما تعمل مصانعها أيضًا على أعداد كبيرة من المسيّرات الأخرى المستخدمة في الجبهة. خلال أيلول (سبتمبر) وحده استخدمت روسيا نحو 2100 مسيّرة نفاثة و136 صاروخًا في ضربات على أوكرانيا.
أوروبا بدأت استيعاب هذا التحول. في فرنسا، تدخل شركات صناعة السيارات إلى الإنتاج العسكري، وتستهدف شراكة رينو وتاليس الوصول إلى ألف مسيّرة شهريًا في 2027، فيما تستهدف مشاريع أخرى إنتاج مئات أو آلاف الوحدات. الدلالة الأهم أن جزءًا كبيرًا من الطاقة الأوروبية التي يفترض أن تواجه الإنتاج الروسي لا يزال في مرحلة التوسع أو التخطيط، فيما تستخدم روسيا إنتاجها الكمي يوميًا على الجبهة.
وتبقى سرعة العقود إحدى نقاط الضعف الأوروبية. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يرى أن الطلب لا يزال يتجاوز العرض في قطاعات عدة، مع بطء توقيع العقود، وصغر بعض الطلبيات، ونقص التمويل واليد العاملة واختناقات سلاسل الإمداد. كما أن المشتريات التعاونية بين دول الاتحاد لم تشكل سوى 24 بالمئة من إجمالي مشتريات المعدات الدفاعية في 2025.
ربما تمتلك أوروبا اقتصادًا أضخم بكثير من الاقتصاد الروسي، وقاعدة تكنولوجية وصناعية قادرة على تغيير الميزان إذا تحولت إلى إنتاج واسع ومستدام. إلا أن حرب الاستنزاف تقاس أيضًا بما هو متاح الآن وبما يمكن تعويضه خلال أشهر وسنوات قليلة. وعلى هذا المستوى، تحتفظ روسيا بأفضلية أساسية من خلال الإنتاج الكمي، ومركزية القرار، واستمرار المصانع بوتيرة الحرب، إضافة إلى مصادر الذخيرة الخارجية.
لهذا تبدو المعضلة الأوروبية أبعد من زيادة الإنفاق. إذا طال أمد مواجهة عسكرية كبرى وخفّ الإسناد الأميركي، ستحتاج القارة إلى إنتاج ملايين القذائف وكميات أكبر بكثير من الصواريخ والمسيّرات، وإلى تعويض خسائرها بالسرعة نفسها التي تفعل بها روسيا. حتى الآن، مصانع أوروبا تتحرك في هذا الاتجاه، فيما تملك موسكو السبق الذي تمنحه أربع سنوات من الاقتصاد المعبأ للحرب.


