: آخر تحديث

احتفظت بريطانيا بمبناها في القدس فهل احتفظت باستقلالها؟

4
4
4

أمرت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المحتلة عقابًا على العقوبات المفروضة على المستوطنات. تقول لندن إن إسرائيل لا تملك هذا الحق، ومع ذلك تفاوضت معها على مستقبل البعثة، وسحبت بعض موظفيها، وجمّدت الرد الذي قيل إنها هددت به. كان الاعتراف بفلسطين هو الجزء السهل.

في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر)، وهو اليوم الذي انقضت فيه المهلة الإسرائيلية، أعلن وزير الخارجية إد ميليباند أن القنصلية البريطانية العامة في القدس ستبقى مفتوحة تحت اسم جديد هو "بعثة المملكة المتحدة في القدس". يبقى العلم مرفوعًا على المبنى في حي الشيخ جراح، وستستمر الخدمات المقدمة للفلسطينيين بصورة ما. ويؤكد ميليباند أن البعثة لا تزال مستقلة وعاملة، فيما تقدّم الحكومة ذلك على أنه صمود بريطاني. لكن القراءة المتأنية للبيان تكشف عن شيء أصغر: بعثة تعمل بعدد أقل من الموظفين وتحت مسمى جديد، ويتوقف مستقبلها على مزيد من المحادثات مع الحكومة التي حاولت إغلاقها.

صدر الأمر الإسرائيلي في الثامن من أيلول (سبتمبر)، في اليوم نفسه الذي أبلغ فيه ميليباند مجلس العموم أن بريطانيا ستتحرك لحظر التجارة في بضائع المستوطنات الإسرائيلية، وهو حظر لم يدخل حيز التنفيذ بعد. أمهل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر القنصلية ثلاثين يومًا. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، استبعد كذلك الممثلين البريطانيين من مركز التنسيق الخاص بغزة في كريات غات، وأوقف تدريب بريطانيا لشرطة السلطة الفلسطينية، ومنع أحد عشر نائبًا بريطانيًا ومواطنًا بريطانيًا آخر من دخول إسرائيل. كانت القنصلية محور عقوبة على سياسة بريطانية مشروعة تستهدف سلوكًا تعدّه بريطانيا نفسها غير قانوني.

أعلن ساعر يومها المبدأ الذي يحكم موقفه: أي نشاط أجنبي في القدس، بحسب قوله، يجب أن يمر عبر قنوات مقبولة ومتفق عليها وأن يحترم السيادة الإسرائيلية. حول هذه الجملة يدور النزاع كله. فالمبنى كان دائمًا المسألة الأصغر. أما المسألة الأكبر فهي ما إذا كانت علاقات بريطانيا بالفلسطينيين ستمر من الآن فصاعدًا عبر قنوات وافقت عليها إسرائيل.

وبهذا المقياس، يبعث الإعلان على القلق. يقول بيان ميليباند إن بريطانيا لا تقبل بأن لإسرائيل الحق القانوني في إغلاق القنصلية. ويقول أيضًا إن بريطانيا تفاوضت على ترتيبات لبقاء البعثة، وسحبت مؤقتًا بعض الموظفين وعائلاتهم، ولن تتخذ إجراءات مماثلة ما دامت المحادثات جدية. فإذا لم تكن لإسرائيل أي سلطة، فمن الصعب فهم ما الذي كانت بريطانيا تتفاوض عليه. ولا سبيل أمام الرأي العام لمعرفة ما جرى التنازل عنه، لأن الحكومة لم تكشف عمّا اتفقت عليه.

وتكتسب هذه المسألة في القدس أهمية تفوق أهميتها في أي مكان آخر. يعود تاريخ القنصلية البريطانية هناك إلى عام 1839. وهي واحدة من مجموعة صغيرة من القنصليات العامة التاريخية في المدينة، منها قنصليات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تمتعت تاريخيًا بوضع خاص يميزها عن المراكز القنصلية العادية المعتمدة لدى إسرائيل. فالقنصلية البريطانية ترفع تقاريرها إلى لندن مباشرة لا إلى سفارتها في تل أبيب، وتتعامل مع الفلسطينيين مباشرة. ويعود هذا الترتيب إلى أن هذه الدول لم تعترف قط بسيادة أي طرف على القدس. إن الاتفاق مع إسرائيل على ترتيبات أمنية لا يُخضع البعثة في حد ذاته للولاية القنصلية الإسرائيلية. لكن إذا كان ثمن البقاء أي شكل من أشكال الموافقة الإسرائيلية على موظفي البعثة أو عملها، فقد تغيّر وضعها، أيًا كان الاسم المكتوب على بابها. وعلى الحكومة أن تقول ما إذا كان ذلك قد حدث.

ووضع القدس هو ما يجعل هذا التمييز مهمًا. لم تعترف بريطانيا قط بالسيادة الإسرائيلية على أي جزء من المدينة. اقترحت خطة التقسيم عام 1947 وضع المدينة تحت إدارة دولية بوصفها كيانًا منفصلًا (corpus separatum). لم تُطبَّق تلك الخطة قط، وتطور الموقف البريطاني منذ ذلك الحين إلى أن وضع القدس لم يُحسم بعد ويجب أن يُسوّى بالتفاوض، بحيث تكون عاصمة مشتركة لدولتين. وتقبل بريطانيا بالسلطة الإسرائيلية القائمة بحكم الأمر الواقع في القدس الغربية من دون الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها. وتعدّ القدس الشرقية أرضًا محتلة، وتعامل القانون الإسرائيلي لعام 1980 الذي أعلن المدينة كلها عاصمة لإسرائيل على أنه بلا أثر قانوني، كما اقتضى قرار مجلس الأمن 478. وفي عام 2016 صوّتت بريطانيا لصالح القرار 2334، الذي يدعو الدول إلى التمييز في تعاملاتها بين إسرائيل والأراضي التي تحتلها منذ عام 1967. أما أمر ساعر فقام على الادعاء المعاكس: أن القدس الموحدة عاصمة إسرائيل وتخضع لسيادتها الكاملة. فإذا سمحت بريطانيا لهذا الادعاء بأن يحدد شروط بقاء بعثتها في القدس، فإنها تكون قد طبّقت في الممارسة سيادة تنكرها في القانون.

ويحتاج تغيير الاسم إلى تفسير لم يُقدَّم بعد. كانت تسمية "القنصلية العامة" تدل على مركز له وظائف قنصلية وتاريخ محدد. أما "بعثة المملكة المتحدة" فلا تدل على شيء بعينه. قد يكون التغيير شكليًا، وقد يكون ثمن الموافقة الإسرائيلية. وعلى الحكومة أن تقول أيهما.

ثمة حجة معقولة للتريث. فإسرائيل تتحكم في الحواجز والطرق المؤدية إلى القدس الشرقية والوثائق التي يحتاجها الموظفون البريطانيون للتنقل. وكان الدبلوماسيون وأطفالهم يعيشون تحت مهلة قالت إسرائيل إن الموظفين العاملين هناك سيفقدون اعتمادهم بعد انقضائها. كما أن الانتخابات الإسرائيلية ستجري في السابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر)، ونتنياهو يخوض حملته على أساس المستوطنات، وربما حرصت لندن أيضًا على ألا تمنحه معركة يستثمرها انتخابيًا. والإبقاء على الخدمات القنصلية مفتوحة أمام الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة أمر له قيمته.

لكن شيئًا من ذلك لا يفسر الصمت عن الشروط. فالاتفاق على ترتيبات أمنية عملية مع سلطة الاحتلال أمر، والسماح لسلطة الاحتلال بأن تقرر من يعمل في البعثة البريطانية ومن يلتقون وإلى أين يذهبون أمر آخر، ولا شيء في بيان ميليباند يخبر الرأي العام أيهما حدث. فهو لم يقل ما إذا كان الموظفون الذين سُحبوا يستطيعون العودة، ولا ما إذا كانوا سيحتاجون إلى اعتماد إسرائيلي جديد، ولا ما إذا كانت البعثة لا تزال قادرة على لقاء المسؤولين الفلسطينيين والمجتمع المدني من دون إذن إسرائيلي، ولا ما إذا كانت الإجراءات الانتقامية الأخرى، من الإبعاد من كريات غات إلى حظر السفر، قد رُفعت.

ويجعل التراجع عن الرد هذا الصمت أصعب قبولًا. ففي الخامس من تشرين الأول (أكتوبر)، أفاد موقع واي نت الإسرائيلي بأن السفير البريطاني سايمون والترز حذّر مسؤولين إسرائيليين من أن بريطانيا ستطرد 27 دبلوماسيًا إسرائيليًا إذا أُغلقت القنصلية. امتنعت السفارة عن التعليق، وأشارت تقارير لاحقة، منها ما نشرته صحيفة فايننشال تايمز، إلى أن الرقم مبالغ فيه. وأيًا كان ما نُقل فعلًا، فقد أعلن ميليباند الآن أنه لن تكون هناك إجراءات مماثلة ما دامت المحادثات مستمرة. وتواصل السفارة الإسرائيلية في لندن عملها من دون عمليات الطرد التي جرى التلويح بها. أما التمثيل البريطاني لدى الفلسطينيين فبات بعدد أقل من الموظفين وباسم جديد.

وستستخلص إسرائيل الدرس الواضح. فإغلاق بعثة أوروبية لدى الفلسطينيين لم يكلفها سوى جولة تفاوض. وقد جرّبت صيغة مبكرة من ذلك عام 2024. ففي أيار (مايو)، وبعد اعتراف مدريد بدولة فلسطين، أمرت إسرائيل القنصلية الإسبانية في القدس بالتوقف عن خدمة الفلسطينيين في الضفة الغربية. وفي آب (أغسطس) ألغت الوضع الدبلوماسي لدبلوماسيين نرويجيين كانوا يعملون مع السلطة الفلسطينية. وقد انضمت فرنسا وكندا إلى بريطانيا في التحرك المنسق ضد تجارة المستوطنات، وإن كانت كل منهما تعمل وفق إجراءاتها الخاصة، ولم تتخذ إسرائيل حتى الآن، بحسب وكالة رويترز، إجراءات انتقامية ضد أي منهما. غير أن الحالتين الإسبانية والنرويجية تُظهران أن التمثيل لدى الفلسطينيين صار وسيلة للضغط على الحكومات التي لا ترضى إسرائيل عن سياساتها. ولذلك فإن الشروط التي احتفظت بها بريطانيا ببعثتها ستكون لها أهمية تتجاوز لندن بكثير.

ولا يستطيع الوزراء القول إنهم فوجئوا. ففي التاسع من أيلول (سبتمبر)، قال ميليباند لقناة سكاي نيوز إن الحكومة وازنت الكلفة والفائدة مسبقًا، ونقل موقع ميدل إيست آي عنه قوله إن الوزراء توقعوا إجراءات انتقامية بعدما رأوا ما حدث للهولنديين حين فرضوا عقوبات. والحكومة التي رأت ذلك قادمًا كان أمامها شهر لتحدد خطها الأحمر. ولم تخبر أحدًا أين يقع هذا الخط الآن.

ويمنح القانون بريطانيا أرضًا أصلب مما يوحي به سلوكها. ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز (يوليو) 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض المحتلة غير قانوني، وقضت بأن على الدول ألا تعترف بهذا الوضع على أنه قانوني وألا تساعد في استمراره. وطلبت من الدول التمييز في تعاملاتها بين إسرائيل والأرض المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وأوضحت في الفقرتين 278 و279 أن ذلك يشمل طريقة إنشاء البعثات الدبلوماسية والإبقاء عليها. إن التفاوض مع إسرائيل على ترتيبات أمنية لا يُعدّ في حد ذاته إخلالًا بهذا الواجب. أما القبول بسلطة إسرائيلية على وظائف بعثة في القدس الشرقية المحتلة أو موظفيها أو اتصالاتها فيثير أسئلة جدية في ضوئه. وما إذا كانت بريطانيا قد فعلت ذلك يتوقف على ما اتفقت عليه، وهذا لم يُكشف عنه.

اعترفت بريطانيا بدولة فلسطين في أيلول (سبتمبر) 2025. وكان يُفترض أن يغيّر الاعتراف طريقة تعامل بريطانيا مع الفلسطينيين، بحيث تتعامل معهم مباشرة كما تتعامل مع أي دولة أخرى. فكل شيء تقريبًا في الحياة الفلسطينية يخضع أصلًا للإذن الإسرائيلي: يحتاج الفلسطينيون إلى تصاريح للسفر وللوصول إلى أراضيهم الزراعية خلف الجدار. وإذا كان دبلوماسيو دولة معترفة يحتاجون بدورهم إلى موافقة إسرائيل لأداء عملهم، فإن الاعتراف لم يُضف إلا القليل إلى ما كان لدى الفلسطينيين أصلًا.

وقد مرّت بريطانيا بهذا من قبل. فعلى مدى ثلاثة عقود في ظل الانتداب، حكم المسؤولون البريطانيون فلسطين من دون أن يحسموا لمن تعود، ثم تركوا المسألة لغيرهم. وكان يُراد للاعتراف أن يقطع مع هذه العادة. لكن تسوية شروط علاقة بريطانيا بالفلسطينيين عبر محادثات مع إسرائيل تبدو أقرب إلى استمرار لها.

ولدى بريطانيا خيارات كثيرة لا تصل إلى حد قطع العلاقات. فبإمكانها أن تنشر الشروط المتفق عليها بشأن بعثة المملكة المتحدة، أو أن تعلن صراحة أنه لا توجد شروط. وبإمكانها أن تحدد موعدًا لعودة موظفيها. وبإمكانها أن تعلن أن أي قيد على اتصال البعثة بالفلسطينيين سيُقابل بالإجراءات المماثلة التي أعدّتها سلفًا. وبإمكانها أن تعمل مع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وسائر الدول التي تقوم قنصلياتها في القدس على المبدأ نفسه، حتى لا تتمكن إسرائيل من التعامل معها واحدة تلو الأخرى. وعلى البرلمان أن يضغط من أجل ذلك كله، بدءًا بالنشر.

لا يزال المبنى في حي الشيخ جراح مفتوحًا، وسيرحّب بذلك الفلسطينيون الذين يعتمدون على خدماته. لكن بريطانيا ظلت شهرًا كاملًا تقول إن إسرائيل لا تملك أي سلطة على بعثتها، ثم تفاوضت معها على مستقبل تلك البعثة. صار عدد الموظفين أقل، والرد الذي هددت به معلّقًا، والشروط لم يُكشف عنها. لقد أظهرت إسرائيل أنها قادرة على فرض شروط على طريقة تعامل دولة أخرى مع الفلسطينيين. ولم تُظهر بريطانيا أنها رفضتها. وإلى أن تنشر ما اتفقت عليه، تبقى بريطانيا متمسكة بالسيادة الفلسطينية في القانون، فيما تفسح المجال للسيطرة الإسرائيلية في الممارسة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.