: آخر تحديث

الثورة الطلابية الفرنسية

6
5
5

تدفع فرنسا اليوم ثمن سياساتها الفاشلة على الصعيد الداخلي في المجال الأمني والتماسك الاجتماعي، إضافة إلى قطاع التعليم.

فبعد أن تمكنت من تجاوز كارثة الاحتلال الألماني لأراضيها إبان الحرب العالمية الثانية، وبعد أن رضخت لمشروع تصفية الاستعمار الذي أقرته الأمم المتحدة في الجمعية العامة رقم 1514 (عام 1960)، تحولت إلى بناء نظام أكثر قابلية للتعايش مع الدول والشعوب، وبشكل خاص شعوب المستعمرات. اضطرت فرنسا ما بعد الحرب إلى الاستعانة باليد العاملة القادمة من المستعمرات، وكان معظمهم يحملون الجنسية الفرنسية بالتبعية الاستعمارية. وبعرق هؤلاء وعلى أكتافهم بنت فرنسا مشاريعها في البنية التحتية والزراعة والصناعة والخدمات. غير أن عقلية المستعمر الأوروبي دفعت السلطات إلى حشرهم في "غيتوهات" سميت ضواحي خارج المدن، مما أدى إلى تمييزهم سلبيًا مقارنة بالمواطنين الآخرين.

حاولت الحكومات، وخاصة الاشتراكية، إدماج الفرنسيين من خارج فرنسا في المجتمع عن طريق إقرار حصص لمساكن ذوي الدخل المحدود في الأحياء السكنية الراقية، ولكن القرار واجه معارضة شديدة من البرجوازيين المحليين، وفضلوا دفع مخالفات للبلديات للحيلولة دون السماح للفرنسيين القادمين من المستعمرات بالحصول على مساكن في أحيائهم.

نستطيع إضافة الخلل والفشل الذي تسببت به الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ أن انتُخب الرئيس اليميني المتشدد نيكولا ساركوزي، "أول رئيس يودع السجن بتهم فساد"، والذي اتخذ قرارات من بينها تلك التي طالت تخفيض ميزانيات التعليم، وانتهاءً بماكرون الذي كان يلقب بوزير الاقتصاد، والذي في ظل إدارته تفاقم الدين الفرنسي العام وقد يخرج عن السيطرة.

عاشت فرنسا الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ما يسميه الفرنسيون "المصعد الاجتماعي"، والذي سمح لأبناء الطبقات الفقيرة والمهمشة بالالتحاق بالمدارس والجامعات وتحقيق مستوى اجتماعي متميز. وكان مربط الفرس هو نظام التعليم المتفوق والاستثمار الهائل في بناء مؤسسات تعليمية متطورة.

وتواجه فرنسا اليوم تبعات تهشيم وتدمير المؤسسة التعليمية الحكومية، مدفوعة بخطة لفتح المجال للتعليم الخاص يحاكي النظام الأنجلوساكسوني، وهو نموذج يخضع لضوابط وآليات مختلفة وقد تكون غير متناسبة مع البيئة التعليمية الفرنسية. وهذا الأمر، كما يبدو، قد يقود إلى تحويل التعليم من مؤسسة تعتمد على مناهج تحرص على المعرفة العلمية والفكرية إلى مدارس وجامعات خاصة تستقطب أبناء النخب وتمنحهم شهادات علمية دون الالتفات إلى الأهلية الذهنية والتفكير النقدي.

وبشكل موازٍ، أدى نفوذ النخب التجارية والمالية التي حققت مكاسب كبيرة بفضل أسواق المال والمضاربات إلى تمكينها من التأثير المباشر على المؤسسات لتوزيع الوظائف والمزايا على أبناء النادي النخبوي المغلق.

ويكفي النظر إلى الكيفية التي أوصلت الرئيس الحالي ماكرون إلى سدة الرئاسة، بالرغم من أنه لا يمتلك خبرات سياسية كافية، فقد عمدت القوى المهيمنة للزج به لينتخب رئيسًا لفرنسا، علمًا أنه يمتلك تجربة متواضعة على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والبرلمانية.

ينحدر ماكرون وزوجته بريجيت من عائلات تنتمي إلى البرجوازية المتوسطة، وتم اختياره بعناية ومن خارج السياق السياسي التقليدي، ليس بالضرورة لخدمة الفرنسيين، بل لخدمة بارونات المال والأعمال. وكذا فعل، فقد ساهم في تحويل ملكية شركات فرنسية عريقة تمثل جوهرة التاج الصناعي، مثل ألستوم وتاليس، إلى صناديق استثمارية أميركية.

عندما تضعف الأدوات الإنتاجية في دولة بحجم فرنسا نتيجة تحويل الرساميل إلى السوق المالية والمضاربات، تتضاءل فرص العمل، كون العمل لا يحقق الربحية التي تحققها المضاربات المالية.

ولذلك لم يعد الأفق مفتوحًا للشباب الطلاب كما كان لآبائهم، ففرص العمل تتقلص، ومستوى التعليم يتراجع بسبب نقص التمويل وتسريح المعلمين وتآكل البنى التحتية والخدمات في المدارس، إضافة إلى صعوبة الحصول على المنح الدراسية والسكن وتزايد كلفة الحياة في المدن التي تحتضن المدارس والجامعات.

فكما ثار الفرنسي عام 1789 على الإقطاعيين، ها هو اليوم يثور على بارونات المال الذين يحكمون سيطرتهم على المؤسسات المالية والميديا، ويختارون السياسيين لتنفيذ السياسات التي تخدم مصالحهم.

وتجدر الإشارة إلى أن الدعم الأعمى للسياسات الخارجية العدوانية والتواطؤ في حرب الإبادة في غزة يرتبط مباشرة بالأزمة الداخلية، بل هو انعكاس لهيمنة "بارونات المال" واللوبيات على قرار النخبة الحاكمة، وأدى ذلك إلى تغييب المصلحة الوطنية الفرنسية لصالح مصالح مالية وعسكرية ضيقة.

ولا بد من الإشارة إلى الاحتجاجات الشعبية المتتالية، وآخرها السترات الصفراء، التي عبّرت عن "ثورة الفرنسيين المعاصرين على بارونات المال والسياسات التقشفية"، وكيف تعاملت حكومة ماكرون بقسوة أمنية مع هذه الاحتجاجات.

إن خصخصة القطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة والنقل والتكنولوجيا العسكرية، أفقدت فرنسا "استقلاليتها القرارية" التي أرساها شارل ديغول، وباتت تابعة للقرار المالي الأميركي والأوروبي الموحد.

السؤال هو عن مدى قدرة الشارع الفرنسي على كسر هذه الهيمنة كما فعل أجداده في 1789، أو أن استمرار هذا التآكل سيهوي بفرنسا من دولة كبرى إلى مجرد إقليم نافذ لشركات وول ستريت ووادي السيليكون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.