: آخر تحديث

هلوسة الهوية: حين يرتدي التعصّب معطف الباحث

5
5
4

أعتذر سلفًا لأنني لا أكتب هذا المقال بالسريانية أو الفينيقية أو بإحدى لغات أسلافنا القدماء. ليس استخفافًا بها، ولا انتقاصًا من تراث يستحق الحفظ والتعلّم، بل لأن مخاطبة اللبنانيين لا تحتاج إلى استحضار لغة خرجت من التداول اليومي بينهم كي تصبح شرعيةً. وللدقة، ليست اللغات السامية كلها ميتة، والسريانية لها حضور ديني وثقافي، والآرامية الحديثة لها متحدثون. لكن أيّ لغة، حية كانت أم مندثرة، لا تمنح أحدًا حق فرضها على الآخرين بوصفها امتحانًا في لبنانيّتهم.

هذا الاعتذار تفرضه حلقة بودكاست قدّمت هلوسة من نوع آخر: استعراضًا للعلم الزائف، تُستدعى فيه اللسانيات والجينات والتاريخ لإسناد قناعة جاهزة. تتلاحق المصطلحات الأجنبية، وتتراكم التأكيدات، ويصبح اليقين بديلًا من البرهان. أما لبنان، بكل تعقيده، فيُضغط داخل حكاية عن هوية أصلية سُرقت، وشعب لا خلاص له إلا باستعادتها.

المشكلة الأولى هي تحويل اللغة إلى قدر سياسي. يُقال إن من يقرأ الفرنسية يتأثر بالسياسة الفرنسية، ومن يقرأ العربية يتبنى قضايا العرب، كأن القراءة عملية تجنيد آلية. وتُستدعى فرضية سابير وورف (Sapir-Whorf Hypothesis) لتبرير قفزة من تأثير اللغة في التفكير إلى تحديد الولاء والانتماء. لكن أين البرهان على هذه القفزة؟ كيف يكتب لبناني بالعربية ضد القومية العربية، أو بالفرنسية ضد الاستعمار؟ وكيف يختلف أبناء اللغة الواحدة على كل شيء تقريبًا؟ اللغة تتيح التفكير والاعتراض، لا تصدر بطاقة حزبية لصاحبها.

ثم يأتي الاستعراض الاشتقاقي: تشابه كلمة لبنانية مع كلمة سريانية يصبح دليلًا قاطعًا على أصلها، ثم يتحول أصلها المفترض إلى شهادة بهوية المتكلم. لكن التشابه بين لغات متقاربة لا يحسم اتجاه الاقتراض، ولا يغني عن تتبّع الشواهد والتحولات الصوتية. ووجود أثر سرياني في المحكية اللبنانية لا يجعل جملة كاملة سريانية، تمامًا كما لا تجعل كلمة فرنسية مستعارة صاحبها فرنسيًا. أما الزعم أن اللهجة تصبح لغة بمجرد كتابتها، فيختزل مسألة لغوية واجتماعية كاملة في حركة قلم.

الأشد فجاجة هو استدعاء الحمض النووي لمحاكمة المؤرخين. فالاستمرارية الجينية تُقدَّم كأنها تنسف أخبار الهجرات وتكوّن الجماعات. لكن البحث الجيني المنشور عن سكان صيدا في العصر البرونزي واللبنانيين المعاصرين يتحدث عن استمرارية واختلاط معًا. وجود جذور محلية قديمة لا ينفي انتقال أشخاص وعائلات، ولا يخبرنا وحده كيف نشأت الطوائف أو تبدلت أسماؤها وتحالفاتها. الجينات لا تتكلم السريانية، ولا تحمل مذهبًا، ولا تمنح حقوقًا سياسية.

وبالمنطق نفسه، يُختزل تاريخ لبنان الحديث في هزيمة وقعت سنة 1943، ثم تُرصّ الكوارث اللاحقة بوصفها نتائج حتمية لها. هذه طريقة مريحة لإعفاء الراوي من دراسة كل مرحلة وفاعليها ومسؤولياتها. وتبلغ الانتقائية ذروتها حين يُصرّ على تسمية انفجار المرفأ تفجيرًا للأشرفية والضواحي المسيحية. للأحياء المنكوبة خصوصيتها وآلامها، لكن تحويل كارثة بيروت إلى ملكية طائفية يصادر المأساة المشتركة، ويعامل الضحايا الآخرين كهوامش في رواية الهوية.

ولا تنجو الجامعة الأميركية في بيروت من هذا المنطق. يُختزل مؤرخ ارتبط بها في صفة أيديولوجية، ويُستعاض عن تفنيد أعماله بالتشكيك في قيمتها بالجملة. الجامعة ليست معصومة، ومؤرخوها قابلون للنقد، لكن النقد يبدأ بقراءة الحجة ومناقشة مصادرها. منذ تأسيسها عام 1866، راكمت الجامعة عملًا في التعليم والطب والبحث وخدمة المجتمع. وهذا السجل يمنح لبنان والمنطقة أسبابًا للحياة والتلاقي، أكثر مما تمنحهما منابر تسوّق الارتياب والكراهية باسم حماية الوجود.

وللإنصاف، تنتهي الحلقة بنفي الرغبة في فرض اللغة أو الهوية على الآخرين. هذا موقف مرحّب به، لكنه يصطدم بخطاب يجعل لغة بعينها شرطًا لبقاء الجماعة، ويصور خيارات أبنائها الأخرى كاغتراب أو انتحار. يحق لأي إنسان تعلّم السريانية وتعليمها لأبنائه، والاعتزاز بإرثه الديني والثقافي. ويحق لغيره أن يختار تعريفًا مختلفًا لنفسه، من دون أن يخضع لوصاية حرّاس الأصالة.

قد لا يعني رفضي لهذه الافتراضات الكثير لأصحابها. لكن لبنانيّتي لا تنتظر موافقتهم: ليست اللغة، ولا الدين، ولا الدم شرطًا للانتماء إلى لبنان. حين يمنح شخص نفسه سلطة تحديد الهوية الصحيحة للآخرين، وتحويل اختلافهم إلى خيانة لوجودهم، فإنه يتبنى نزعة فاشية، مهما ادّعى محاربة الفاشية. هذا الاستعراض البائس لن يقدم هوية قابلة للحياة، سيضيف إلى أزمات اللبنانيين شرطيًا جديدًا، هذه المرة يحمل قاموسًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.