ما أجمل أن تأتي الفرحة بعد انتظار، وما أجمل أن تكون في جدة، وكم جدة "غير"، وبين جماهير ملأت المدرجات حبًا وحماسًا، وأن يكون بطلها منتخبنا السعودي الذي أعاد لنا مع كأس الخليج شيئًا ربما كان أهم من الكأس نفسها: "أعاد الثقة والأمل".
منذ بداية مشواره في البطولة، شعرنا أن في الأخضر شيئًا يتغير، روح جماعية، وانضباط وإصرار، ولاعبون يقاتلون من أجل الشعار، ومنتخب لا يريد أن يكتفي بالمشاركة أو الأداء الجميل، بل يريد أن يصل إلى النهاية. وبفضل الله، وصل.
وفي النهائي كان أمام منتخب إماراتي شقيق بذل جهده، وقاتل حتى النهاية، واستحق الوصول إلى المشهد الختامي. ولكنها كرة القدم: تعطي يومًا وتأخذ يومًا، ويبقى التنافس داخل الملعب، وتبقى الأخوة والمحبة خارجه أكبر من كل نتيجة وكأس.
وهنا تكمن إحدى أجمل صور كأس الخليج. هذه البطولة لم تكن يومًا مجرد مباريات بين منتخبات متجاورة جغرافيًا، بل موعدًا خليجيًا يجمع الناس قبل اللاعبين، ويوحد المشاعر قبل المدرجات. وفي جدة تحقق الكثير من أهدافها. اجتمع أبناء الخليج، واختلطت الأعلام والهتافات والفرحة، وعاشت المدينة أيامًا رياضية جميلة أكدت من جديد أن الرياضة تستطيع أن تكون جسر محبة، وأن كأس الخليج ما زالت تحمل ذلك البعد الاجتماعي والوجداني الذي عاشت عليه أجيالنا منذ انطلاقتها.
أما جمهورنا السعودي، فماذا نقول عنه؟ كان اللاعب الذي لا يظهر اسمه في التشكيلة، لكنه حاضر في كل دقيقة. ساند وشجع وآمن بمنتخبه، حتى جاءت لحظة التتويج التي استحقها اللاعبون، واستحقها معهم ذلك الجمهور الوفي.
والتهنئة في هذه الليلة الخضراء نرفعها إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وإلى شعبنا السعودي، وإلى كل مسؤول عن رياضتنا، وكل من عمل خلف الكواليس، وإلى الجهازين الإداري والفني، وإلى لاعبينا الذين أعادوا البسمة إلى المدرجات والبيوت.
لكنني، وسط هذه الفرحة، أتمنى ألا نكتفي بالاحتفال! فالكأس جميلة، والأجمل أن نجعل منها نقطة تحول. لقد تغيّر مسار منتخبنا، وظهرت روح نريد ألا نفقدها، وثقة نريد أن تتضاعف، وانسجام يجب أن نبني عليه. وأمامنا ما هو قادم وأكبر.
كأس آسيا 2027 على أرض المملكة. وهناك لن يكون المطلوب أن نشارك، ولا أن نقول إننا أصحاب الأرض والجمهور، بل أن نذهب إلى البطولة ونحن نعرف أن منتخبًا بحجم المملكة وتاريخها وإمكاناتها يجب أن يكون بين أكبر المرشحين لكأسها.
"من اليوم يبدأ العمل لآسيا". نحتاج إلى تكثيف الجهد، والمحافظة على الاستقرار، وتصحيح الأخطاء، وتوسيع الخيارات، وإعداد منتخب يعرف أن كأس الخليج ليست نهاية المطاف، بل أول الطريق. ولا أجمل من أن تكون جدة قد شهدت عودة الأخضر إلى منصة الخليج، ثم تكون المملكة كلها بعد ذلك على موعد مع حلم آسيوي أكبر.
"مبروك يا وطن.. مبروك". مبروك لقيادتنا، ولشعبنا، ولرياضتنا، وللاعبينا، ولجمهور لم يتخلَّ عن الأخضر حتى عندما تعثّر.


