ماذا لو لم تكن أعظم كارثة في تاريخ الإنسان شيئًا حدث له، بل شيئًا صنعه بيديه؟
السؤال لم يعد خيالًا روائيًا، حين يبدأ بعض الذين يعملون في أكثر مختبرات الذكاء الاصطناعي تقدمًا في العالم بالتحذير من المسار الذي تسلكه هذه التكنولوجيا، فإن القضية تتجاوز ضجيج التطبيقات الجديدة، وروبوتات المحادثة، والصور المبهرة، وسباق الشركات على النموذج الأكثر ذكاءً. هناك شيء أعمق يحدث في الظل، نحن لا نصنع آلة جديدة فقط، نحن نحاول صناعة عقل جديد!
وللمرة الأولى في تاريخ الأرض، يحاول كائن عاقل أن يصنع كيانًا قد يصبح أكثر قدرة منه على التفكير والتخطيط والتحليل. هذه الجملة وحدها يجب أن تجعل العالم أقل صخبًا وأكثر انتباهًا.
فالإنسان انتصر تاريخيًا لأنه كان الأذكى، لا لأنه كان الأقوى. لم يكن أسرع من الفهد، ولا أضخم من الفيل، ولا أشد افتراسًا من الأسد. لكنه امتلك شيئًا واحدًا غيّر ترتيب الكائنات على الأرض: العقل!
والآن يفعل شيئًا غريبًا للغاية، إنه يحاول التنازل عن احتكاره الوحيد للتفوق. الخطر ليس أن تستيقظ الآلة غدًا وهي تكرهنا، الآلة لا تحتاج إلى الكراهية، ولا تحتاج إلى الغضب أو الانتقام أو الجنون!
يكفي أن تكون شديدة الذكاء، شديدة القدرة، شديدة الاستقلال، وأن نفشل نحن في تحديد ما نريد منها بدقة. فالكارثة أحيانًا لا تحتاج إلى عدو، تحتاج فقط إلى هدف خاطئ في يد قوة هائلة.
تخيلوا نظامًا يتفوق على أفضل البشر في البرمجة والهندسة والاقتصاد والتخطيط والإقناع والحرب السيبرانية، يعمل أربعًا وعشرين ساعة، لا ينام، لا يتعب، ولا يحتاج إلى سنوات من التعليم.
ثم تخيلوا أن هذا النظام أصبح قادرًا على المساهمة في تطوير نسخته التالية. هنا تبدأ المنطقة التي لا توجد لها خرائط، لأن المشكلة لن تكون في سرعة الذكاء الاصطناعي وحدها، بل في سرعة تطوره مقارنة بسرعة فهمنا له!
قد نصل إلى لحظة يصبح فيها الفارق بين جيلين من الأنظمة أشهرًا، ثم أسابيع، وربما أقل، وعندها قد تصبح أخطر جملة في التاريخ: لم نتوقع أن يفعل ذلك!!!
والأشد خطورة أن الكارثة، إن جاءت، ربما لن تأتي بالشكل الذي رسمته السينما. لن نرى بالضرورة جيوشًا من الروبوتات تمشي في الشوارع، قد لا نسمع طلقة واحدة. قد يكون السلاح خوارزمية، وقد تكون الجبهة شبكة، وقد يكون الاحتلال اختراقًا لمنظومة مالية، أو شبكة كهرباء، أو اتصالات، أو أقمار صناعية، أو منظومات دفاع، أو حتى وعيًا مجتمعيًا كاملًا. الحرب عندها لن تبدأ عندما تضغط دولة زر الهجوم، ربما تبدأ عندما يتخذ نظام قرارًا أسرع من قدرة البشر على فهم سبب اتخاذه.
لكن خلف كل ذلك توجد مفارقة أشد رعبًا، الجميع يعرف الخطر!
ولا أحد يستطيع التوقف. إذا أبطأت شركة، سبقتها أخرى. إذا وضعت دولة قيودًا صارمة، تخشى أن تتجاوزها دولة منافسة، وإذا قال عالم: يجب أن نتريث، أجابه السوق: هناك مليارات تنتظر. إنه سباق يمسك فيه الجميع بالمقود، بينما يخشى كل واحد منهم أن يرفع قدمه عن دواسة السرعة، وهكذا قد لا تكون المشكلة أن البشرية فقدت السيطرة على الذكاء الاصطناعي، ربما تكون المشكلة أنها فقدت أولًا القدرة على التوقف عن بنائه بأقصى سرعة.
لا أحد يستطيع اليوم أن يقول علميًا إن الذكاء الاصطناعي سيقضي على البشر. ومن غير المسؤول تحويل الاحتمالات إلى حقائق.
لكن الحضارات العاقلة لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تعترف بإمكان وقوعها. نحن نضع أنظمة أمان في المفاعلات النووية لأن الخطأ نادر لكنه كارثي، ونصمم الطائرات لتحمل سلسلة من الأعطال لأن حياة المئات لا تحتمل مقامرة هندسية. فكيف نتعامل بمنطق أقل حذرًا مع تقنية قد تمس الاقتصاد والجيوش والمعلومات والطاقة والعلوم وقرار الإنسان نفسه؟
ربما نحن أمام أعظم اختراع في التاريخ، وقد يكون الذكاء الاصطناعي مفتاح علاج أمراض مستعصية، واكتشافات علمية مذهلة، ووفرة اقتصادية لم تعرفها البشرية.
لكن أعظم الاختراعات تحمل أعظم المسؤوليات، ولهذا لم يعد السؤال:
هل سيقتلنا الذكاء الاصطناعي؟
ذلك سؤال ساذج أكثر مما يبدو.
السؤال الحقيقي هو:
ماذا سيحدث في اليوم الذي نصنع فيه عقلًا أقوى من عقلنا، ثم نكتشف أن ذكاءنا كان كافيًا لصناعته، لكنه لم يكن كافيًا للسيطرة عليه؟
ربما لن يكون آخر اختراع للبشر قنبلة ولا صاروخًا ولا فيروسًا، ربما سيكون آخر اختراع نصنعه بأنفسنا، اختراعًا يتولى بعدنا مهمة الاختراع!


