اعتراف بريطانيا بفلسطين دولة له تداعيات وأبعاد تاريخية وقانونية وسياسية وإنسانية، وشكّل مرحلة تحول في السياسة البريطانية. وهذا الاعتراف، والذي جاء في تصريح وبيان مباشر من قبل رئيس الحكومة ديفيد ستارمر السابق، مما أضفى عليه أهمية خاصة، وقال إن الأمل في حل الدولتين يتلاشى، لكن لا يمكننا أن ندع هذا النور ينطفئ. وبالرغم من موقفه من حرب غزة وعدم إدانة إسرائيل وعدم تأييد وقف النار، فقد شهدت بريطانيا ملايين من البريطانيين الذين طالبوا بوقف الدعم لإسرائيل وفرض عقوبات على منتوجات المستوطنات.
وبدا التحول مع رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار عندما كان عمدة لمانشستر، وعيّن ميليباد اليهودي اليساري وزيرًا للخارجية، ووصف ما يجري في الضفة بالتطهير العرقي، وفي غزة بجرائم حرب. هذا، ولأول مرة، تحولت فلسطين إلى قضية داخلية في السياسة البريطانية. وكانت سببًا في الإطاحة برئيس الوزراء السابق ستارمر.
ولا شك أن الاعتراف بفلسطين دولة يعد تحولًا كبيرًا في السياسة البريطانية التي اتسمت على مدار عقود طويلة بالصمت والحذر من الإعلان الصريح، كما اليوم، بالدولة الفلسطينية، نتيجة تحولات في السياسة الأوروبية عمومًا، وفرنسا خصوصًا، التي تبنت وترأست المؤتمر الدولي لحل الدولتين. وعلى أهمية الاعترافات التي تزامنت مع اعترافات بريطانيا، يبقى الاعتراف البريطاني له خصوصيته التاريخية والسياسية والقانونية.
وهذا الاعتراف، وإن كان رمزيًا من الناحية القانونية، لكنه له وزنه من الناحية السياسية، كما أشار باتريك ونيتور، محرر الشؤون الدبلوماسية في الغارديان البريطانية. وهدفه تعزيز السلام الشامل في المنطقة، ولا يعني مراجعة علاقات مع إسرائيل أو تقويض خيار التفاوض. لكن أهميته في كونه رسالة واضحة بأن من حق الشعب الفلسطيني ممارسة حقه في تقرير مصيره، وعدم قبول الاحتلال واستمراره.
وأشار الكاتب، وهذا الأهم، إلى أن هذا الاعتراف لا يغير من الوضع القانوني، ولا يعني اتخاذ خطوات تنفيذية ضد إسرائيل. ومع ذلك يبقى قرارًا مهمًا يمكن البناء عليه، ويعتبر تصحيحًا لموقف تاريخي لمسؤولية بريطانيا دون غيرها عن عدم قيام الدولة الفلسطينية، ليس لفلسطين فقط بل لليهود أيضًا، وأقصد الدولة الواحدة.
فتاريخيًا، بريطانيا هي المسؤولة عن القضية الفلسطينية وعدم قيام الدولة الفلسطينية الواحدة لكل شعبها بإصدار وعد بلفور 1917، الذي وعد بوطن قومي لليهود في فلسطين دون ذكر للدولة الفلسطينية، وبعده، ووفقًا لاتفاقات سايكس بيكو، وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني عن قصد لتنفيذ وعد بلفور، بفتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية وتسهيل عمليات بيع ونقل الأرض وتشجيع قيام المؤسسات اليهودية وغضّ النظر عن الأنشطة العسكرية للميليشيات الصهيونية، وصولًا لعرض القضية على الأمم المتحدة وصدور القرار رقم 181 بتقسيم فلسطين، دولة يهودية على مساحة تقارب الخمسة والخمسين، ودولة عربية على مساحة تقارب الأربعة والأربعين، والعمل على قبول إسرائيل دولة عضوًا في الأمم المتحدة.
وتجاوز ما قامت به إسرائيل من حرب 1948 واحتلال الأراضي المخصصة للدولة العربية بمساحة تقارب الخمسة والعشرين، وما صاحبها من النكبة الأولى وهجرة أكثر من 750 ألفًا يعيشون حتى الآن في المخيمات. وبالرغم من هذه المسؤولية التاريخية، بقيت بريطانيا بعيدة عن الاعتراف بفلسطين دولة، ولعل أحد الأسباب الرئيسة الدعم المطلق لحزب المحافظين لإسرائيل وضعف وتردد حزب العمل.
وكما أشار المؤرخ البريطاني آفي شليم، أستاذ العلاقات الدولية: إسرائيل لن تجنح أبدًا للسلام، وحان الوقت لكي تعترف بريطانيا بفلسطين الدولة. وأضاف أن وعد بلفور هو المسؤول عن القضية.
ولاعتراف بريطانيا دلالات سياسية مهمة في أكثر من اتجاه، كونه أول تصحيح لظلم وقع على الشعب الفلسطيني على مدار عقود طويلة من حكم بريطانيا وانتدابها على فلسطين، وأن هذا الاعتراف سيشجع الدول الأخرى على الاعتراف. ومن ناحية أخرى، بريطانيا أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، مما يقوي ويدعم تفعيل دور ومكانة دولة فلسطين من دولة مراقب إلى دولة كاملة العضوية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
ولعل من أبرز تداعيات هذا الموقف أزمة العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل، وتقليص عمل القنصلية البريطانية في القدس، ناكرةً أنه لولا وعد بلفور ما قامت إسرائيل. وهذا الموقف يحتاج، بالمقابل، إلى موقف عربي وفلسطيني داعم.


