: آخر تحديث
في نقد الإعلام الذي يحوّل الميكروفون إلى كمامة:

إنت طبيب ولا تمرجي؟!

5
6
4

وجدت في أرشيفي الصحفي صيغة أولية لمقال كنت أنوي كتابته منذ سنوات، تعقيبًا على خبر قرأته وقتها: طبيب أسنان في نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأميركية أُوقف عن العمل، بعدما وُجّهت إليه اتهامات بأن طريقته في علاج الأطفال تشكّل خطرًا عليهم، إذ كان يثبّتهم بالقوة، وأحيانًا بركبتيه على الكرسي، ويبدأ العمل قبل أن يأخذ التخدير مفعوله، ثم يغلق أفواههم بالقوة لمنعهم من الصراخ!

قلت لنفسي: لعل الرجل أخطأ في اختيار مهنته، وأن مكانه الأنسب وظيفة "رقيب إعلامي"، فلما لم يجد وظيفة شاغرة، اختار طب الأسنان، ففي الحالتين يتعامل مع أفواه مفتوحة، ويبدو أن موهبته الأساسية هي إغلاقها!

غير أن الطبيب يحتاج إلى فتح فم المريض كي يعالجه، بينما يحتاج بعض الإعلاميين إلى إغلاق فم المواطن كي يستريحوا منه. وإذا استعصى الإغلاق، أجروا له عملية خلع عاجلة: يخلعون كلامه من سياقه، ثم يخلعون عنه حسن النية، ثم يحاولون خلع حقه في الكلام. وتُسجَّل العملية في دفتر البرنامج تحت بند: "تفنيد الرأي الآخر"!

وهؤلاء لا يستقبلون الرأي المختلف بوصفه فكرة تستحق المناقشة، بل بوصفه ضرسًا زائدًا ينبغي اقتلاعه. يكفي أن يسأل أحدهم: "لماذا؟" حتى تبدأ جلسة العلاج، يُفحص ولاؤه قبل حجته، وتُراجع سيرته قبل عبارته، ويُسأل عمّن يقف وراءه قبل أن يُسأل عمّا يقصده. أما السؤال نفسه، فلا يقترب منه أحد، يبدو أنه الجزء الوحيد الذي لا يشمله التأمين!

أما التخدير، فمتوافر بكميات تجارية: "المصلحة العامة"، و"الظروف الحساسة"، و"الوقت غير المناسب". وحين لا تنفع هذه الجرعات، تظهر الركبة، ركبة المقاطعة، والتشكيك، والتخوين، ورفع الصوت فوق صوت المتحدث، حتى يبدو للمشاهد أن صاحب الرأي عاجز عن إكمال جملة، مع أن أحدًا لم يسمح له بإكمالها! ثم يلتفت المذيع إلى الكاميرا قائلًا: "كما ترون، ليست لديه إجابة".

ومن طرائف هذه العيادات الإعلامية أن الدعوة إلى الحوار تُوجَّه للجميع، لكن الإجابات المقبولة تكون معدّة قبل وصول الضيوف. تستطيع أن تختلف في طول المديح وقصره، وفي ترتيب الصفات وألوانها، أما أصل الحكاية فمحسوم. وإذا تجاوزت الحدود، ذكّرك المذيع بأن الوقت انتهى، بالرغم من أنه كان يتسع قبل قليل لخطبة طويلة من ضيف موافق.

ثم يخرج علينا صاحب البرنامج مفتخرًا بأنه أدار "حوارًا ساخنًا". وبالطبع كان ساخنًا، فقد جلس أحد الضيوف تحت الضوء، وجلس الآخر تحت التحقيق!

ولست أعترض على إعلامي يدافع عن سياسة أو يؤيد نظامًا، فله موقفه، وعليه أن يقدّم حجته. لكن حين يستخدم المنبر لإسكات المختلف، ويستبدل السؤال بالاتهام، فإنه يجعل الميكروفون أداة ضغط على الحنجرة. وحين يحتفي بكلمة "نعم" ويعامل كلمة "لكن" باعتبارها بداية مؤامرة، فالأجدر أن يكتب على باب الاستوديو: "عيادة تقويم الآراء نضمن خروجك بالرأي الذي دخلنا به".

المجتمع الذي يتألم يحتاج إلى من يسمع شكواه، ويسأل عن أسبابها، ويتابع علاجها. وقد ينجح الضغط في إيقاف الصراخ، لكنه لا يمنحنا دليلًا على زوال الألم. وقد تمتلئ الشاشة بوجوه مبتسمة، فيما تظل الأسئلة عالقة في حلوق أصحابها.

وحين يصمت الجميع خوفًا من الكلام، يستطيع المذيع أن يعلن أن "الإجماع واضح". طبعًا واضح، لقد فصل الميكروفونات المخالفة بنفسه!

ولذلك، كلما رأيت إعلاميًا يطارد كلمة مخالفة، ويضيّق على صاحبها حتى يعجز عن النطق، تذكّرت ذلك الطبيب وسألت:

يا أستاذ، إنت إعلامي، ولا كاتم صوت؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.