: آخر تحديث

أين مصداقيتكم الإعلامية؟!

3
3
3

إعلامياً قد يكون الخبر صحيحاً، لكن الصورة المرافقة له تضع مصداقيته أمام اختبار حقيقي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحداث أمنية حساسة، أو عمليات إرهابية، أو سقوط ضحايا، أو تهديدات تثير الخوف والقلق بين الناس!

من الممارسات الإعلامية التي تستحق التوقف عندها، استخدام صور قديمة، أو لم تتأكد صحتها ومصدرها، مع أخبار جديدة تنشرها وكالات أنباء عالمية، من بينها «رويترز، و بلومبرغ»، تتعلق بأحداث أمنية نعيشها حالياً، والإشكالية هنا ليست في نشر الخبر أو تناول الحدث، وإنما في توظيف صورة قد لا تكون مرتبطة بالواقعة نفسها، بما يمنح القارئ انطباعاً بصرياً قد يختلف عن حقيقة ما حدث!.

السؤال المهني الذي يستحق الطرح: «هل جرى التحقق من تاريخ الصورة، ومكان التقاطها وعلاقتها المباشرة بالخبر؟» وهل يكفي أن تكون الصورة معبّرة عن حدث مشابه حتى تصبح صالحة للاستخدام مع حدث جديد؟

وهل يدرك المحرر أن اختيار صورة غير مناسبة قد يغيّر مضمون الخبر مهما بلغت دقة المعلومات الواردة فيه؟

الصورة ليست مجرد عنصر جمالي يرافق الخبر، بل جزء أساسي من مضمونه، وقد تكون أكثر تأثيراً من العنوان والتفاصيل، خصوصاً في زمن تتداول فيه الأخبار بسرعة هائلة، ويكتفي فيه كثيرون بمشاهدة الصورة وقراءة العنوان دون العودة إلى التفاصيل.

والأخطر عندما تكون الأخبار مرتبطة بالإرهاب أو التفجيرات أو المطارات أو سقوط الضحايا، فهنا لا نتحدث عن خطأ بصري عابر، وإنما عن احتمالات إثارة الذعر، وتضخيم المخاوف، وتكوين انطباعات قد تكون بعيدة عن الواقع، وقد تتحول صورة واحدة إلى مادة تتناقلها آلاف الحسابات والمنصات، وتُبنى عليها تحليلات وتوقعات لا علاقة لها بالحدث الحقيقي.

وما يستحق التوقف عنده أن هذه الممارسات، إن ثبتت، لا تصدر بالضرورة عن حسابات مجهولة أو منصات تبحث عن المشاهدات، وإنما قد تقع فيها مؤسسات إعلامية عريقة تمتلك إمكانات تحريرية وتقنية ضخمة، وتتباهى بتاريخها المهني ومعاييرها الصارمة في التحقق من الأخبار والمصادر.

وهنا تكمن المفارقة، فكيف نطالب الجمهور بعدم الانسياق خلف الأخبار المضللة، بينما قد تسهم مؤسسات إعلامية محترفة في صناعة انطباعات مضللة من خلال اختيار الصورة أو طريقة تقديمها؟!.

المصداقية الإعلامية لا تتجزأ، فلا يكفي أن يكون نص الخبر دقيقاً إذا كانت الصورة تفتح الباب لتفسير مختلف، كما أن الإشارة إلى أن الصورة أرشيفية، لا تعفي المؤسسة من مسؤولية تقدير ملاءمتها، خصوصاً عندما تحمل مشاهد دمار أو نيران أو ضحايا في سياق خبر أمني جديد!.

فالمؤسسات الإعلامية الكبرى مطالبة بمراجعة سياساتها المتعلقة باستخدام الصور، وأن يكون التحقق من مصدر الصورة وتاريخها وسياقها جزءاً أصيلاً من عملية التحرير، لا مجرد إجراء ثانوي تفرضه سرعة النشر أو المنافسة على السبق الصحفي.

لسنا ضد نقل الأخبار، ولا نطالب بإخفاء الحقائق أو تجميل الأحداث، بل نؤمن بأن المهنية الحقيقية تعني نقل الواقع كما هو، دون تهويل أو تهوين، ودون استعارة مشاهد من الماضي لتضخيم أحداث الحاضر.

المهنية الإعلامية لا تُقاس بسرعة نشر الخبر، ولا بحجم انتشار الصورة، وإنما بمدى احترام الحقيقة وعقل المتلقي، فالمؤسسات الإعلامية التي بنت سمعتها ومكانتها عبر عقود، قد تخسر الكثير من رصيدها المهني بصورة واحدة وُضعت في غير سياقها!.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد