ليست قوة الاقتصادات في قدرتها على النمو حين تكون الظروف مواتية فحسب، بل في قدرتها على حماية مسارها التنموي عندما تصبح البيئة المحيطة أكثر تعقيدًا.
ومن الرياض، برز هذا المعنى في مشهد لافت يوم الأحد، 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، حين افتُتحت أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، تحت عنوان "أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد"، في وقت تواجه فيه المملكة تصعيدًا أمنيًا تمثل في هجمات استهدفت مطار الملك خالد الدولي.
كان من الممكن أن يطغى الحدث الأمني على المشهد بأكمله، لكن انعقاد الاجتماع أعاد طرح سؤال يتجاوز حدود السياسة: كيف تحافظ دولة على حضورها الاقتصادي الدولي، وتواصل استقطاب الحوار والاستثمار، بينما تواجه تحديات تمس أمنها واستقرار محيطها؟
هنا لا تكمن الدلالة في انعقاد مؤتمر فحسب، بل في أهمية المسار الاقتصادي الذي تسعى السعودية إلى الحفاظ عليه.
أمن الطاقة: ما وراء برميل النفط
لم يعد أمن الطاقة مسألة تتعلق بحجم الإنتاج وحده، أو بقدرة الدول على تلبية الطلب العالمي. فقد أصبحت موثوقية الإمدادات، وسلامة البنية التحتية، ومرونة طرق النقل والتصدير، عناصر أساسية في حسابات الأسواق وصنّاع القرار.
وتأتي أهمية منتدى الطاقة الدولي من طبيعة الحوار الذي يجمع الدول المنتجة والمستهلكة، في محاولة لتقريب السياسات ومناقشة تحديات الأسواق، وتعزيز التعاون في قطاع تتجاوز آثاره حدود الدول.
وفي هذا السياق، حملت تصريحات وزير الطاقة السعودي، الأمير عبدالعزيز بن سلمان، رسالة تتصل باستمرارية الالتزامات السعودية تجاه الأسواق الدولية، وبقدرة منظومة الطاقة على التعامل مع الظروف المتغيرة.
وأكد الوزير أن الرياض تحتل موقعًا محوريًا في أمن الطاقة العالمي، مشيرًا إلى أن موثوقية الإمدادات ليست نتيجة ظرف طارئ، بل حصيلة استثمارات طويلة الأجل وتخطيط واستعداد. كما أشار إلى خط أنابيب شرق–غرب بوصفه أحد عناصر مرونة منظومة التصدير السعودية.
وهذه نقطة مهمة في قراءة التجربة السعودية، الاستعداد للأزمات لا يبدأ عند وقوعها، بل يُبنى مسبقًا عبر البنية التحتية والبدائل التشغيلية والقدرة على إدارة المخاطر.
من استمرارية الطاقة إلى استمرارية الرؤية
تستهدف رؤية السعودية 2030 بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وتوسيع مساهمة قطاعات السياحة والصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية، وتعزيز دور الاستثمار والابتكار في تشكيل مصادر جديدة للنمو.
لكن تنويع الاقتصاد لا يعني أن الدولة تصبح محصنة من الصدمات. فالمطارات والموانئ وشبكات النقل والطاقة ليست قطاعات منفصلة، بل أجزاء مترابطة من منظومة اقتصادية واحدة.
ولهذا فإن حماية البنية التحتية، ورفع مرونتها، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، تمثل جميعها عناصر في حماية المسار التنموي نفسه.
وإذا كانت الهجمات على المطارات قد أحدثت اضطرابًا فعليًا في حركة الطيران، فإن التحدي الاقتصادي يتمثل في احتواء آثار هذا الاضطراب، واستعادة انتظام الحركة، والحفاظ على ثقة المستثمرين والشركات والزوار.
غير أن قياس نجاح المملكة في ذلك يحتاج إلى متابعة النتائج الميدانية، لا الاكتفاء بالرسائل السياسية أو باستمرار الفعاليات.
فالثقة الاقتصادية لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الخطط إلى أداء مستقر، حتى في الظروف الصعبة.
لماذا يهم استمرار الحضور الدولي؟
عندما تستضيف الرياض وزراء الطاقة وممثلي المؤسسات الدولية وقادة القطاع، فإنها لا تستضيف اجتماعًا بروتوكوليًا فحسب، بل توفر مساحة للحوار حول قضايا تمس الإنتاج والاستثمار والتجارة والتحول التقني.
وتكتسب هذه اللقاءات أهمية إضافية في فترات الاضطراب، لأن غياب الحوار لا يحل مشكلات الأسواق، كما أن تأجيل التعاون لا يزيل المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد.
لكن استمرار الفعاليات لا يعني أن جميع المشاركين بمنأى عن المخاطر، فقد أثرت الهجمات بالفعل في حركة الطيران، وأفادت تقارير صحفية بأن بعض المشاركين واجهوا تغييرات في ترتيبات سفرهم، فيما استمرت الاجتماعات وفق ترتيبات تنظيمية وأمنية مختلفة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين أمرين: استمرار النشاط الاقتصادي من جهة، وضرورة التعامل الجاد مع المخاطر الأمنية من جهة أخرى.
فالدولة القادرة على إدارة الأزمة ليست التي تتجاهلها، بل التي تعمل على احتوائها من دون التخلي عن أهدافها طويلة الأجل.
التحدي المقبل: حماية الثقة
لا يمكن الجزم الآن بمسار التصعيد العسكري أو بمدى اتساعه خلال الأيام المقبلة. فذلك يرتبط بتطور الهجمات، وفاعلية الإجراءات الدفاعية، وطبيعة الردود، وإمكانية الوصول إلى ترتيبات سياسية وأمنية تحد من المواجهة.
لكن من الممكن تحديد ما ستحتاج إليه السعودية اقتصاديًا في هذه المرحلة: حماية المنشآت الحيوية، وتعزيز بدائل النقل والتصدير، والحد من اضطراب النشاط التجاري، وتوفير المعلومات الموثوقة للأسواق، وإظهار قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة.
وهذه ليست تحديات تخص السعودية وحدها، فاستقرار الطاقة في المنطقة يرتبط بمصالح اقتصادات عديدة، من الدول المنتجة إلى الدول المستهلكة، ومن شركات النقل والتأمين إلى الصناعات التي تعتمد على إمدادات موثوقة.
لذلك، فإن الرسالة الاقتصادية الأهم ليست أن المخاطر انتهت، بل أن الاستثمار في المرونة والاستعداد بات جزءًا أساسيًا من القدرة على مواصلة التنمية.
السعودية: بين التحدي والطموح
إن استمرار المسار الاقتصادي السعودي لا يعني أن المرحلة خالية من الصعوبات، ولا أن الهجمات لن تترك آثارًا. لكنه يفتح المجال أمام قراءة أكثر توازنًا: فالأزمات الأمنية قد تعطل بعض الأنشطة وتفرض تكاليف إضافية، لكنها لا تحدد وحدها مستقبل الاقتصاد.
ذلك المستقبل يتوقف أيضًا على جودة الاستجابة، وقدرة المؤسسات على حماية البنية التحتية، واستمرار الإصلاحات، والحفاظ على ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.
ومن هنا، يمكن قراءة انعقاد منتدى الطاقة الدولي في الرياض باعتباره تعبيرًا عن أهمية استمرار الحوار الدولي في لحظة حرجة، وعن أن قضايا أمن الطاقة لا يمكن تأجيلها كلما ارتفعت المخاطر.
فالمسار التنموي لا يُختبر في أوقات الاستقرار وحدها، بل في قدرة الدولة على حماية مكتسباتها، والتكيف مع المتغيرات، ومواصلة العمل من أجل أهدافها طويلة الأجل.
وفي عالم تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد، لم تعد القوة تُقاس بحجم الموارد فقط، بل بقدرة الدول على إدارة المخاطر، وحماية الثقة، وتحويل الاستعداد إلى مرونة، والطموح إلى مسار قابل للاستمرار.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق من الرياض: أن الحفاظ على المستقبل لا يتطلب تجاهل العواصف، بل الاستعداد لها، والعمل على ألا تتحول إلى ما يوقف مسيرة التنمية.


