: آخر تحديث

حين تصبح المطارات أهدافًا: إلى متى يصمت العالم؟

4
4
3

لم أكن أتصور، وأنا أتابع الأخبار وما تنقله وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، أن يأتي يوم نقرأ فيه عن مسافرين خرجوا من بيوتهم يحملون حقائبهم وأحلامهم، فإذا ببعضهم يعود محمولًا على الأكتاف، وبعضهم يرقد على أسرّة المستشفيات، وآخرون ينتظرهم أهلهم فلا يصلون! أيُّ زمن هذا الذي أصبح فيه المطار، وهو بوابة للقاء الأحبة وعودة الغائبين، ساحةً للخوف والموت والدمار؟ وأيُّ ضمير يستطيع أن يبرر استهداف منشآت مدنية يرتادها الأبرياء من مختلف الجنسيات، لا يحملون سلاحًا، ولا علاقة لهم بحروب ولا بصراعات؟

ما شهدته المملكة خلال الأيام الماضية من اعتداءات على مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار أبها الدولي، وما تعرضت له مناطق أخرى من تهديدات واعتداءات، ليس خبرًا عابرًا نقرأه ثم نطوي صفحته. إنه جرح في ضمير الإنسانية! فبحسب البيانات الرسمية، أسفرت اعتداءات السادس والسابع من تشرين الأول (أكتوبر) على مطاري أبها والملك خالد عن ثلاث وفيات و36 إصابة، ثم جاء الاعتداء على مطار الملك خالد يوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي ليخلّف 12 وفاة و309 إصابات، بعضها حرجة. أرقام موجعة، ولكن خلف كل رقم إنسان وأسرة وقصة حياة. هؤلاء ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل آباء وأمهات وأبناء وبنات، خرجوا طلبًا لرزق أو علاج أو لقاء أهل، ولم يخطر ببالهم أن رحلتهم قد تكون الأخيرة. فأي قضية تلك التي يُراد الانتصار لها بقتل الأبرياء؟ وأي نصر يُبنى على دماء المسافرين؟

إن ميليشيات الحوثي، التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات على المطارات السعودية، وما تتلقاه من دعم إيراني سافر، تمثل وجهًا خطيرًا من وجوه الصراع الذي يدفع المدنيون ثمنه. وليس من المقبول أن تتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى وسائل لفرض الإرادات السياسية، أو أن تصبح حياة المدنيين ورقة ضغط في صراع إقليمي. وما يزيد الألم أن هذه الجماعات وجدت خلال سنوات الصراع فرصًا لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها العسكرية، فيما بقيت معاناة اليمنيين مستمرة، وتجاوز خطر السلاح حدود اليمن ليهدد أمن الجيران والملاحة والمنشآت المدنية.

وهنا نسأل: إلى متى يستمر هذا العبث؟ ومن يحاسب من يقتل الأبرياء ويهدد أمن الدول واستقرارها؟ لقد سمعنا إدانات واستنكارات، ولا نقلل من أهميتها، ولكن هل تكفي بيانات الشجب أمام صاروخ يسقط على مطار، أو مسيّرة تهدد حياة مئات البشر؟ إن المجتمع الدولي مطالب بما يتجاوز التعبير عن القلق إلى إجراءات جادة لحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، ووقف تدفق الأسلحة والوسائل التي تُستخدم في استهداف الأعيان المدنية. فالقانون الدولي الإنساني لم يُكتب ليُقرأ في المؤتمرات وحدها، وإنما ليحمي الإنسان حين تعصف به الحروب.

ثم أين نحن، أبناء "مجلس التعاون الخليجي"، من هذه التحديات؟ لقد قام مجلس التعاون على أسس الأخوة والمصير المشترك والتكامل الأمني والسياسي والاقتصادي، واليوم، أمام هذه الاعتداءات، تتأكد الحاجة إلى موقف خليجي موحد، لا يقتصر على التضامن اللفظي، بل يترجم وحدة المصير إلى تنسيق أمني ودفاعي ودبلوماسي فاعل. فأمن الرياض هو من أمن الكويت والمنامة والدوحة وأبوظبي ومسقط، وأي تهديد لإحدى دول المجلس يمس أمن المنطقة بأسرها.

ولا بد هنا من التأكيد أن المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية، تملك من الإمكانات والعزيمة ما يحفظ أمنها وسيادتها، وأن صبرها وحرصها على تجنيب المنطقة مزيدًا من الحروب لا يجوز أن يُفهما "ضعفًا أو تهاونًا". فالصبر فضيلة، لكنه لا يمنح المعتدي حق التمادي، والسلام غاية نبيلة، لكنه لا يتحقق بترك الأبرياء تحت رحمة الصواريخ.

ومع كل هذا الألم، فإننا لا ننسى اليمن، ذلك البلد العربي الأصيل، ولا شعبه الجار الشقيق، الذي دفع أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره واقتصاده ومستقبل أبنائه. فاليمن ليس الحوثي، والحوثي ليس اليمن. هناك شعب كريم يستحق الحياة، وأطفال يستحقون المدارس بدل الملاجئ، وأمهات يستحققن الطمأنينة بدل انتظار أخبار القتلى والمفقودين. ونتطلع إلى أن تتوحد جهود اليمنيين حول دولتهم ومؤسساتهم الشرعية، وأن يُفتح أمامهم طريق استعادة الأمن والاستقرار بعيدًا عن سلطة السلاح والميليشيات والتدخلات الخارجية.

ولعل ما نشهده من تحركات للقوات الحكومية اليمنية يفتح باب الأمل، وإن كان الطريق إلى سلام شامل ما زال يحتاج إلى تضحيات وحكمة ووحدة صف. ولا بد من صنعاء، وإن طال السفر! ولكننا نريد صنعاء عاصمةً للسلام، لا مدينةً تتوارث الحروب، ونريد اليمن موحدًا بأهله، عزيزًا بسيادته، آمنًا بجيرانه.

إن القضاء على خطر الميليشيات لا يكون بالانتقام من الشعوب، وإنما بإنهاء قدرتها على تهديد المدنيين، وتجفيف مصادر تسليحها وتمويلها، وإخضاع المسؤولين عن جرائمها للمساءلة والعدالة. وأعود إلى السؤال الذي يؤرقني: ما ذنب مسافر كان ينتظر إقلاع طائرته؟ وما ذنب عامل يؤدي واجبه؟ وما ذنب أسرة ودعت عزيزًا على أمل أن تراه بعد ساعات؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب عالمنا ليس استمرار الحروب وحده، بل أن نعتاد أخبار ضحاياها، حتى يصبح الموت رقمًا، والدمار خبرًا، والإنسان مجرد عنوان في نشرة المساء. وهنا تكمن المأساة الكبرى. لقد آن للعالم أن يدرك أن أمن المدنيين ليس قضية سعودية أو يمنية أو خليجية فحسب، بل مسؤولية إنسانية لا تتجزأ، وأن من يهدد مطارًا مدنيًا اليوم قد يهدد غدًا مطارًا في أي مكان من العالم.

وفي الختام، رحم الله من فقدناهم في هذه الاعتداءات، وشفى المصابين، وربط على قلوب أسرهم، وحفظ وطننا، المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا وأرضًا وسماءً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار. اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وسدّد خطاهما، وأيّد جنودنا ورجال أمننا وكل من يسهر على حماية هذا الوطن ومواطنيه.

اللهم أطفئ نيران الفتن والحروب، وانصر المظلومين، واحفظ أهلنا في اليمن، واجمع كلمتهم على الحق والخير والسلام، وأعد إلى بلادهم أمنها وعافيتها. وأسأل الله أن يأتي اليوم الذي نكتب فيه عن آخر صاروخ أُطلق، وآخر حرب انتهت، وآخر طفل نام خائفًا، وأن تعود المطارات كما خُلقت لخدمة الإنسان: أبوابًا للحياة واللقاء، لا ساحاتٍ للموت والفراق.

اللهم آمين، يا ربّ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.