طبائع الناس تحضرها الجغرافيا ومحن التاريخ. وخير مثال العلاقة التاريخية المتأزمة بين الفرس والعرب.
بحكم مد الصحراء، تمتع العرب بثقافة الحرية، ومارسوها إيجابًا وسلبًا، لهذا، في الحقب القديمة، تمتع العربي بالأنفة، والمس بكرامته من المحرمات، وذلك، على الدوام، يثير غضب الدول الفارسية التي استخدمت كل وسيلة للسيطرة على العرب، والاستخفاف بهم ومعاملتهم بدونية، على أنهم بدو هامشيون لا يستحقون الاحترام. وتسبب هذا بعداء تاريخي طويل وعنيف، وامتد ليصبح عداءً عرقيًا وفكريًا وأيديولوجيًا معمّرًا، إلى أن حسم العرب هذه العلاقة عسكريًا بتدمير الإمبراطورية الفارسية الساسانية عام 636. وكان ذلك ثقيلًا على الفرس ثقل الجبال. وبدأ الفرس مشاغبات وتمردات مستمرة، ثم حربًا فكرية بلا هوادة، إلى درجة أنهم اخترعوا أديانًا باطنية خرافية عدوانية عديدة موازية للإسلام "العربي".
واشتهر الشاه الساساني سابور الثاني (309ـ379) بلقب "ذو الأكتاف" بخلع أكتاف الأسرى العرب بالذات. واستمر الصدام الفكري والعرقي بين العرب والفرس إلى اليوم. ويتعمد الفرس تأليف حكايات مهينة للعرب، وملأوا كتب التاريخ بأحاجٍ ملفقة تشوه سمعة العرب والخلفاء الراشدين والصحابة وخلفاء بني أمية الذين مثلوا رمز النهوض العربي.
في نهاية السنة السادسة للهجرة، بعث الرسول صلى الله عليه وسلم رسائل إلى الإمبراطور الروماني هرقل وكسرى شاه الفرس، وأربعة ملوك آخرين في الشام وهجر والحبشة ومصر، وتلقى إجابات دبلوماسية، إلا كسرى الثاني أبرويز شاه فارس، الذي استبد به الغضب وأخذ يقذع في الشتم والسب للعرب البدو "أهل الجمل والبعير"، وهي ذات اللغة التي يرددها الفرس وذيولهم الشتامة اليوم. ومزق رسالة رسول الله، فدعا الرسول أن "مزق الله ملكه". وحدث هذا سريعًا، إذ ثار على كسرى ابنه قباذ الثاني شيرويه، قتل والده و18 من إخوته، ولم يلبث هذا إلا سبعة أشهر وتوفي بالطاعون. ودخل البلاط الفارسي في فوضى. وتداعت الأحداث إلى أن تلقى الفرس هزيمة ساحقة على يد الخليفة الراشد الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. بالرغم من أن الخليفة، وهو الحريص كل الحرص على حقن الدماء، قد بذل جهدًا دبلوماسيًا متتابعًا لتفادي الحرب. وكان يتريث في المواجهة الحربية. وأرسل وفدًا إلى الشاه يزدجرد، برئاسة الصحابي النعمان بن مقرن، رضي الله عنه. وفي الوفد عاصم بن عمرو التميمي، أحد زعماء بني تميم، ومن أبرز فرسانهم. ورد الشاه بغطرسة، وبالشتم والسب، وقرر إذلال الوفد، فأمر بإحضار حمل من تراب وقال: "ليحمله أشرفهم". صاح عاصم: "أنا أشرفهم"، وتقدم ليحمل التراب تكريمًا لرفاقه. وخرج الوفد وعاصم يحمل التراب. ثم بعد قليل سيقضي هؤلاء الأبطال على غطرسة الشاه والإمبراطورية الفارسية معًا. وعاصم بن عمرو نفسه، حامل كيس التراب، كان فاتحًا لولاية سجستان وأميرًا عليها. ورئيس الوفد النعمان بن مقرن، قائدًا لمعركة فتح نهاوند "فتح الفتوح" وأميرًا عليها، فيما كان يزدجرد يتجشم وهاد المنافي هاربًا، إلى أن اغتيل بيد عصابة محلية.
واستعمل عمر كل الوسائل الدبلوماسية لتجنب الحرب. بل حتى قبيل بدء معركة القادسية الفاصلة (15هـ ـ 636) أصر على أن يواصل قائده الفذ سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، العمل الدبلوماسي في الأيام الأخيرة الحرجة. وأرسل سعد مبعوثين إلى الشاه يزدجرد وإلى رستم قائد الجيوش الفارسية. وكانا يردان بعجرفة.
وبعد أن يئس أمير المؤمنين، وبعد أن استنفد كل الوسائل للسلام، أمر قائده أن يتوكل على الله ويبدأ معركة الفتح المبين. وأوصاه أن يبادر بالضرب والشدة: "ولَا يهولَنَّكَ كثْرة عَدَدِهِم وَعُدَدِهِم، فَإِنَّهم قوم خَدَعَةٌ مكرَة".
وبعد الفتح، أثار الفرس اضطرابات مستمرة ومشاغبات في الولايات الشرقية "الوثنية"، العراق وفارس وما حولها، وبثوا أفكارًا خرافية، بعكس الولايات الشمالية "المسيحية" المسالمة، الشام ومصر وليبيا، التي تمتعت بكرم الفاروق نظير ثقتها والتزامها. لهذا قال عمر: "وددْت أنّ بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم".
ومكر الفرس الذي كان يؤرق عمر ويملأه بالسام، جربه، في هذه الأيام، الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي انخرط في مفاوضات متعثرة بطيئة ومتقلبة. ومما يدهش ترامب ويثير غضبه، أن الإيرانيين، في الوقت الذي يجري فيه تدمير مهول لبلادهم، لا ينفكون يمارسون المكر والخدع، وتضارب التصريحات، يصادقون على هدنة ثم يطلقون نيرانهم. ويستمرون، بلا أدنى شعور بالمسؤولية، في ألعاب خاسرة، مع تفاقم الخسائر العسكرية والاقتصادية وانهيار العملة وإغلاق المنافذ أمام الصادرات الإيرانية.
ووجه الإيرانيون هجمات قليلة على إسرائيل التي قتلت قادتهم وحطمت بلادهم، مقارنةً بنيرانهم الكثيفة على العرب الذين لم يمارسوا أي عدوان، وبعضهم صديق وبعضهم سعى للسلام ولمنع تدمير إيران. وهذا السلوك الإيراني غير المعقول يفسر أن الحقد المتحفز على العرب جزء من المهمات الحربية للحرس الثوري. واتخذ القادة الفرس من الحرب ذريعة وفرصة للتنفيس عن الأحقاد. ويواصلون فيه عدوانهم على العرب بينما منحوا إسرائيل أشهرًا من السلام. وربما تواصلوا مع إسرائيل وأبلغوها أن هدفهم الاستراتيجي هو الدول العربية.
ملاحظة: المقصود بـ"الفرس" في هذا المقال هم النخبة الفارسية الشعوبية، المفكرون وصناع القرار، الذين يروجون، طوال التاريخ وبلا هوادة، كره العرب. أما المواطنون الفرس والإيرانيون والشيعة، في كل مكان، فهم كرام أفذاذ، ولا نبخسهم طيب المعشر والسجايا الحميدة. وهم أنفسهم ضحايا للعلاقات التاريخية المسمومة، ولعنصرية النخبة الحاقدة التي تغذيهم بالخرافات وكره الآخر.
*وتر
الحروب لعبة المقامرين..
إذ الإنسان سلعة مزايدات..
دموع ودماء وجنائز، قرابين للتاريخ الأسود المسموم..

