: آخر تحديث

الرياض بخير والحساب سيكون عسيرًا

4
3
3

يحزننا أن تمتد يد الإرهاب إلى أناس كانوا يستعدون للسفر، أو ينتظرون عودة أحبتهم، أو يؤدون أعمالهم في مطار الملك خالد الدولي بالرياض. لكل واحد منهم حكاية، وبيت ينتظره، وموعد كان يأمل أن يصل إليه. حين تصيب الجريمة هؤلاء الأبرياء، يصبح ألمهم وجعًا يسكننا جميعًا، وتغدو مواساتهم مسؤولية تتقدم الكلام.

أسفر الاعتداء الحوثي على المطار عن وفاة اثني عشر شخصًا وإصابة ثلاثمئة وتسعة آخرين، بحسب بيان الهيئة العامة للطيران المدني. هؤلاء أرواح عزيزة، ومصابون يتلقون الرعاية الصحية في عدد من المستشفيات، بينهم حالات حرجة. نترحم على من رحلوا، وندعو للمصابين بالشفاء، ونقف بقلوبنا مع أسر تعيش ساعات ثقيلة من الحزن والانتظار.

في مثل هذه اللحظات، تتجه الثقة إلى الدولة ومؤسساتها، وإلى قدرتها على حشد إمكاناتها الطبية والإنسانية. ومن معرفتنا بهذا الوطن، نثق بأنه لن يتوانى عن توفير العناية للمصابين، ومساندة أسر المتوفين وإكرامهم. كرامة الإنسان تمتد إلى سرير علاجه، وإلى البيت الذي غاب عنه، وإلى أهله الذين يحتاجون السند بعد الفاجعة.

نقول: اطمئنوا، ونحن نعرف حجم الألم. ونقول: الحياة جميلة، لأن الذين اعتدوا على الأبرياء يريدون أن يسلبونا هذا الإيمان بالحياة، وأن يجعلوا الخوف حاكمًا لأيامنا. يصبح التمسك بالحياة، في مواجهة هذه الجريمة، وفاءً للضحايا وحمايةً للمعنى الذي استهدفه المعتدي.

للحرب أثمان موجعة، وقد تصل آثارها إلى من لم يختاروها. لكن استهداف المسافرين والعاملين في مطار مدني يظل جريمة يتحمل مرتكبها مسؤوليتها. إدراك قسوة الحرب يضاعف واجب حماية المدنيين، ويجعل ردع من يتعمد تعريضهم للخطر ضرورة لحماية الناس وصون أمنهم.

رأى العالم في مطار الملك خالد الدولي الوجه الإجرامي لميليشيا الحوثي الإرهابية. شاهد نتائج أفعالها على أرض الواقع: أرواحًا أُزهقت، ومدنيين أُصيبوا، وأسرًا تبدلت حياتها في لحظة. امتدت الجريمة إلى أشخاص من جنسيات متعددة، في مكان يجمع الناس على السفر واللقاء والعودة، وكشفت المسافة الهائلة بين الشعارات التي ترفعها الميليشيا والسلوك الذي تمارسه بحق الأبرياء.

وجاءت الإدانات العربية والدولية، وفي مقدمتها إدانة الأمم المتحدة ودول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي ودول عديدة، لتؤكد أن استهداف المطار اعتداء على حياة المدنيين وسلامة الطيران، وأن تداعياته تتجاوز حدود السعودية. تمنح هذه المواقف مطلب ردع الميليشيا بعدًا دوليًا، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية ترجمة الإدانة إلى إجراءات تحد من قدرتها على تكرار الجريمة. تزداد قيمة الموقف الدولي حين يشعر المعتدي بأن استهداف المدنيين يرتب عليه كلفة فعلية.

وتكتسب هذه الاعتداءات دلالتها الإقليمية من ارتباط الحوثي بإيران، ودوره وكيلًا مسلحًا لها في اليمن. ويمكن قراءة توسيع هجماته بوصفه محاولة لنقل الضغط إلى ساحات إضافية، وتشتيت الجهود الدولية بين أمن الخليج والمطارات والممرات البحرية. يستثمر هذا النهج في اضطراب المنطقة، ويتيح لطهران الاستفادة من تعدد جبهات التوتر، فيما يدفع اليمنيون والمدنيون في دول الجوار أثمانه.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الحوثي باعتباره محاولة لتعويض الضغط العسكري والسياسي بنقل الأذى إلى الداخل السعودي. حين تضيق خيارات الميليشيا، قد تراهن على أن تتحول المخاوف على المطارات والمصالح الاقتصادية إلى ضغط يدفع الرياض نحو هدنة بشروطها، أو يمنحها على طاولة التفاوض ما تعجز عن ضمانه في الميدان.

هذا الحساب ينطوي على خطأ في فهم السعودية. إيقاع الضرر يمنح المعتدي قدرة على الإيذاء، لكنه لا يمنحه سلطة على القرار السعودي. والدولة التي تزن مصالحها بمسؤولية تدرك أن الاستجابة للابتزاز قد تجعل استهداف المدنيين وسيلة متكررة لانتزاع التنازلات، وتفتح الباب لجولات أخرى من التهديد.

من هنا، تزداد أهمية دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتمكين مؤسسات الدولة اليمنية من استعادة قدرتها على حماية شعبها وأرضها. وجود دولة يمنية قادرة ومسؤولة يمثل مصلحة لليمنيين، وركيزة لأمن الجوار. أما بقاء قرار الحرب والسلم في يد جماعة مسلحة مرتبطة بمشروع إقليمي، فيترك اليمن والمنطقة رهينة حساباتها وتحالفاتها ومغامراتها.

وقد جاء إعلان تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الرد بحزم على الاعتداء ليؤكد أن استهداف المدنيين يستوجب ردعًا يحمي الأرواح ويمنع تكرار الجريمة. وتستمد الطمأنينة معناها من قدرة الدولة على حماية أمنها، ومن وضوح قرارها في مواجهة التهديد، مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني. والسلام الذي يستحقه اليمن والمنطقة يحتاج إلى ضمانات تحمي الناس من تجدد العدوان، وإلى دولة تستطيع الوفاء بالتزاماتها.

تاريخ السعودية يحمل دروسًا كثيرة لمن يراهنون على إنهاكها. تعاقبت عليها تحديات إقليمية، وحملات عدائية، ومحاولات ضغط من أنظمة وتنظيمات وقوى مختلفة، وظلت قادرة على تجديد قوتها والحفاظ على موقعها. تغيرت أسماء خصومها، وانحسرت مشاريع راهنت على إضعافها، وبقيت المملكة تبني حضورها من تماسك مجتمعها، وشرعية دولتها، وثقلها العربي والإسلامي والدولي.

وعلى امتداد هذه التحديات، حافظت السعودية على صوتها المعتدل، وعلى قدرتها على الجمع بين حماية مصالحها وفتح أبواب الحلول السياسية. يعرف من يقرأ تجربتها أن هدوءها يستند إلى حسابات دولة، وأن صبرها يحمل إدراكًا للعواقب، وأن قوتها تتجدد من واقع بنيتها السياسية وموقعها الاستراتيجي وإمكاناتها الراسخة. لهذا أخفقت رهانات كثيرة تصورت أن الضغط عليها سيجعلها تتخلى عن قرارها أو مكانتها.

هذا الرصيد يمنح الطمأنينة أساسها. السعودية بخير لأن لديها دولة تحمل مسؤوليتها، ومؤسسات تواجه الأزمات، ومجتمعًا يعرف قيمة وحدته حين يشتد الخطر. وقد يقع الضرر، ويثقل الحزن، وتستدعي حماية الناس إجراءات استثنائية، لكن مستقبل وطن بهذا الحجم لا يختصره اعتداء، ولا يحدده صاروخ.

الحياة الجميلة التي نتمسك بها تشمل حق الطفل في صباح آمن، وحق الأسرة في اجتماع مطمئن، وحق الإنسان في العمل والسفر والعودة إلى بيته. حماية هذه التفاصيل هي جوهر قوة الدولة، وهي أيضًا ما يجعل استمرار البناء والعمل والأمل موقفًا وطنيًا عميقًا. يريد الإرهاب أن يترك الخوف في كل بيت، وتبقى مسؤوليتنا أن نحفظ للناس ثقتهم، وأن نساند المتضررين، وأن نواصل الحياة بوعي وتماسك.

سنحزن على الذين فقدناهم، ونساند الذين أصيبوا، ونحفظ لهذه الفاجعة مكانها في الذاكرة. ونثق بوطن يعرف كيف يجمع الرحمة والحزم، وكيف يحمي الإنسان ويواصل الطريق. ومن هذا الإيمان بقدرة وطننا على رعاية أبنائه وصون مستقبلهم، نقول:

اطمئنوا، السعودية بخير، والحياة جميلة، وسنحمي جمالها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.