خالد بن حمد المالك
أحب أمريكا، وأقدِّر فيها أشياء كثيرة، وأحترمها لمجموعة اعتبارات ومسلَّمات، أهمها علاقاتها التاريخية مع المملكة، وتعاملها باحترام مع الرياض، وتفهمها لما يظهر أحياناً من اختلاف المملكة معها في بعض وجهات النظر، دون أن يؤثِّر ذلك على العلاقات بين الدولتين، لأن علاقاتهما قائمة على الاحترام المتبادل، والتعامل على قدم المساواة، فكل منهما يأخذ بالموقف الذي يخدم مصالحه.
* *
أحب أمريكا، لأن عشرات الآلاف من شباب المملكة وشاباتها تعلموا وتدربوا ودرسوا في جامعات أمريكا، ولأن هناك تعاوناً بين البلدين في تسليح الجيش السعودي، بأموال المملكة وليس هبة من أمريكا، وعدم تقبل أمريكا لأي مساس بأمن واستقرار المملكة «بحسب تصريحات قادتها والمسؤولين فيها»، وحرص أمريكا والمملكة على صيانة العلاقات الثنائية كلما شابها فتور، واستخدام كل الأدوات لتطويرها بشكل مستمر.
* *
لكني لا أحب في أمريكا موقفها من القضية الفلسطينية، ومن عدم تجريم تل أبيب على جرائمها بحق الفلسطينيين، ودفاعها عن الدولة اليهودية حتى مع صدور أحكام جنائية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، ومساعدة رؤساء أمريكا لإسرائيل في محاولاتها تصفية القضية الفلسطينية، وتشريد السكان، وفرض أحكام ظالمة ضد من يسْلم من جرائمها.
* *
لا أحب في أمريكا أن تقف ضد خيار الدولتين، وضد اعتراف 159 دولة بدولة فلسطينية، وأن يسبق ذلك تعاونها مع إسرائيل في العدوان على قطاع غزة، وبعده في التسامح مع إسرائيل في احتلال أجزاء من الضفة الغربية وإقامة مستعمرات ومستوطنات إسرائيلية عليها، تمهيداً لتهويد الضفة، وطرد السكان، وضمها لإسرائيل.
* *
كنت أريد من أمريكا، وهي الدولة العظمى في العالم، وهي من لها النفوذ الأقوى على إسرائيل، أن تكون عادلة، وأن تقف على مسافة واحدة بين إسرائيل وفلسطين، وبينها وبين جيرانها، فلا تنحاز لإسرائيل، ولا تشجعها على الإرهاب، ولا تقبل منها ممارسة الجرائم بحق الأبرياء، وأن تمنع هذا التوسع في أعداد السجون التي يُلقى بها آلاف من الفلسطينيين، يقضون بها عشرات السنين، وأحياناً وفاتهم في أقبيتها المظلمة، لا لسبب إلا لأنهم يطالبون بحقوقهم المشروعة.
* *
أحب أمريكا لأنها دولة صديقة، وتعامل المملكة وشعبها معاملة خاصة، في قبول زياراتهم دون حجر أو مضايقة، للعلاج، أو للتعليم، أو السياحة، وأحبها لأنها تُقدِّر قادتنا وتحترمهم، ولا أدل ذلك من الاستقبال البهي غير المسبوق الذي تم لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض من الرئيس ترمب، خلال زيارته الأخيرة، فقد تعامل مع سموه، ورتب لزيارته بما لم نشاهده مع قائد آخر.
* *
وأحب في أمريكا -وهي الدولة الأولى بالعالم- حرص رؤسائها بعد فوزهم بانتخابات الرئاسة بأن تكون وجهتهم الأولى في الزيارات الخارجية للمملكة، بما يؤكد مكانة وعمق المملكة وملكها وولي عهده وحكومتها وشعبها لدى الرؤساء والمسؤولين والشعب الأمريكي الصديق، وهذه بعض ما يحببني بأمريكا، ويجعلني أتمنى أن أراها في وجه أحسن، وصورة أجمل، ومكانة لا يخدشها سوء تصرف، أو موقف غير مقبول.
* *
لا أريد أن تكون أمريكا دولة مكروهة، ولا دولة ظالمة، لا أريدها عوناً للظالم، وسنداً للمعتدي، ولا متصالحة إلا مع الأبرياء ممن لهم حقوق فتساعدهم، كما هم الفلسطينيون الذي يحرمون من حقوقهم في إقامة دولتهم ككل شعوب العالم، لا أن تكون أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع هذا الحق، في تجاهل غير مبرر لكل القوانين والمواثيق الدولية، وقرارات الشرعية الدولية.
* *
الرئيس ترمب أمام فرصة ذهبية ليعمل ما لم يعمله غيره من رؤساء أمريكا، وهو قادر على أن يحقق السلام في منطقتنا، بخطوة واحدة، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، من خلال خيار الدولتين، ومبادرة السلام العربية، واعتراف 159 دولة بجهد مشترك قامت به وتبنته المملكة وفرنسا، فليكن الرئيس ترمب هو الرئيس التاريخي البطل الذي ينفذ قرارات الشرعية الدولية، وآمل أن يبتهل هذه الفرصة ولا يفوّتها، فلم يبق له في البيت الأبيض سوى عامين وشهور قليلة.
* *
أخيراً لا يعجبني موقف أمريكا ورئيسها من العدوان الإرهابي الحوثي على المملكة.

