: آخر تحديث

المدرج جاهز والسماء تنتظر: من يكتب قرار العودة؟

4
4
2

في صالة المغادرة كان معتمرون بثياب الإحرام ينتظرون رحلتهم، حين قطع وميضٌ المشهد. هذا ما أظهرته اللقطات التي نشرتها السلطات. ومنذ ذلك اليوم تعمل فرق الصيانة، وتُراجَع المرافق، والموعد مكتوب: إشعار ملاحي يُبقي المطار مغلقًا حتى منتصف ليل السبت. لكن عودة المسافر لا تبدأ من المدرج وحده. ففي مكتب بعيد نشرة تنصح شركات الطيران بعدم التحليق في أجزاء من الأجواء "على أي ارتفاع". وفي مكتب آخر تحذير يمتد إلى كانون الأول (ديسمبر). وفي غرف التأمين أرقام لا تُنشر. فالسؤال المطروح ليس متى يُفتح المبنى، بل من يكتب قرار أن السماء آمنة، وكيف يبقى المسافر المدني خارج أي حساب عسكري.

أربعة مواعيد لمسافر واحد

المطار منشأة سيادية. تملكه الدولة، وتشغّله، وتقرر متى يُغلق ومتى يُفتح. وقد علّقت الهيئة العامة للطيران المدني العمليات في مطار الملك خالد الدولي حتى تتحقق من سلامة المرافق وجاهزيتها. ثم صدر الإشعار الملاحي بموعد محدد. هذا هو الموعد الأول، وهو قرار سلامة مسؤول، يقدّم حياة الناس على أي اعتبار آخر.

ويحاول المهاجم أن يزاحم الدولة على هذا القلم، فيدّعي أنه هو من "أغلق" المطار. والإشعار يرد على الادعاء بهدوء. فالإغلاق كتبته الدولة لحماية المسافر، وموعد الفتح تكتبه الدولة أيضًا. ومن يطلق الصاروخ لا يملك أن يكتب جدول الرحلات.

غير أن الطائرة التي تهبط في الرياض لا تأتي بقرار المطار وحده. ولهذا يظهر الموعد الثاني عند الشركات:

مجموعة أوروبية كبرى علّقت رحلاتها حتى 16 تشرين الأول (أكتوبر).

شركة خليجية علّقت رحلاتها حتى 17 تشرين الأول (أكتوبر)، وأخرى حتى 19 تشرين الأول (أكتوبر).

مجموعة فرنسية هولندية علّقت رحلاتها حتى نهاية الشهر.

ثم يأتي الموعد الثالث: نشرة وكالة سلامة الطيران الأوروبية عن الأجواء السعودية، وهي سارية حتى 16 تشرين الثاني (نوفمبر)، ما لم تُراجَع قبل ذلك. وبعده الموعد الرابع: تحذير إدارة الطيران الأميركية، وهو سارٍ حتى 10 كانون الأول (ديسمبر).

أربعة مواعيد لعبور واحد. يتقدمها موعد الدولة، وتمتد بعده مواعيد الآخرين أسابيع. وليس في هذا تقصير من أحد. فهكذا يعمل الطيران الدولي: كل شركة تحتاج قبل أن تحدد رحلتها إلى ثلاثة أطراف:

جهة التنظيم في بلدها: تقرأ المخاطر وتُصدر التوصيات.

شركة التأمين: تسعّر الرحلة أو تمتنع عن تغطيتها.

الطاقم: من حقه أن يعرف إلى أين يطير.

وحجم ما ينتظر ليس قليلًا. فجدول هذا الأسبوع في المطارات السعودية فيه أكثر من 7700 رحلة مغادرة من 28 مطارًا، بنحو مليون ونصف المليون مقعد. وحصة الرياض وحدها نحو ثلث المقاعد. وكل مقعد إنسانٌ له موعد: معتمر، أو عامل عائد إلى أسرته، أو رجل أعمال، أو طالب. والفارق بين موعد الدولة ومواعيد الآخرين هو المساحة التي يحاول المهاجم أن يعيش فيها.

ما تعلّمه العالم في صيف 2014

في 17 تموز (يوليو) 2014 سقطت طائرة الرحلة الماليزية 17 فوق شرق أوكرانيا، بصاروخ أرض–جو انفجر قرب قمرة القيادة. قُتل ركابها وطاقمها جميعًا، وعددهم 298 شخصًا. لم تكن الطائرة متجهة إلى منطقة النزاع، بل كانت تعبر فوقها في مسار مفتوح.

ومن تلك الكارثة خرج درس استقرّ في صناعة الطيران: سماء النزاع لا يكفي أن تعلن الدولة الواقعة تحتها أنها مفتوحة. فلا بد أن يقرأ مخاطرها أيضًا من يطير فيها. وطالبت جهة التحقيق الهولندية في تقارير لاحقة بأن تصدر نشرات التحذير الأوروبية أسرع، وبمحتوى يناسب حاجة شركات الطيران العملية. وهكذا صار لأوروبا صوتٌ في قرار التحليق فوق أي منطقة نزاع في العالم.

لكن الحالة اليوم تختلف عن 2014 في أمر جوهري. هناك أصاب سلاحٌ طائرةً مدنية في سماء حرب. أما هنا فجماعة مسلحة تعلن صراحة أن المطارات المدنية أهداف، وتوجّه تحذيرها إلى شركات الطيران نفسها. الغاية من الإعلان أن ينتقل قرار السفر من الدولة ومنظومتها إلى الخوف. فالرسالة الموجهة إلى شركة الطيران ليست عن مبنى في الرياض، بل عن ثقة المسافر في كل مكان.

ما يقوله القانون

ليس هذا شأنًا بين طرفين. فالطيران المدني من أقدم ما اتفق العالم على حمايته:

اتفاقية شيكاغو (1944): وضعت أساس النقل الجوي الدولي.

اتفاقية مونتريال (1971): جرّمت الأفعال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني.

بروتوكول مونتريال (24 شباط (فبراير) 1988): خصّ المطارات بالذكر. فجرّم كل من يرتكب عمدًا، بجهاز أو سلاح، عمل عنف ضد شخص في مطار يخدم الطيران المدني الدولي، إذا كان من شأنه أن يسبب إصابة خطيرة أو وفاة، ويهدد السلامة في ذلك المطار.

والمطار في القانون الدولي الإنساني منشأة مدنية، والمسافر فيه مدني. وقد قتل هجوم واحد على صالة المسافرين ثلاثة عشر شخصًا وأصاب أكثر من ثلاثمئة. ولهذا وصفت الكويت الهجمات بأنها انتهاك للقانون الدولي الإنساني. ووصف وزير الإعلام الجهة التي تقف وراءها بأنها أظهرت مرارًا استخفافها بالقانون الدولي. وجاءت رسائل التضامن من 176 وزيرًا وعالمًا ومفتيًا في أكثر من 70 دولة. فقد سقط بين الضحايا معتمرون، ومن جنسيات متعددة.

المعنى العملي لهذا كله: حين يُستهدف مطار يخدم الطيران الدولي، لا يُعتدى على دولة واحدة فقط. يُعتدى على منظومة يشترك فيها العالم كله، ويعبر بها ملايين البشر كل يوم. وحماية هذه المنظومة مسؤولية دولية بنص الاتفاقيات، لا بحكم التضامن وحده.

الجماعة نفسها، والطريق نفسه

والجماعة التي تهدد السماء هي نفسها التي تحاصر الطرق في اليمن. فما يعيشه المسافر في صالة مغادرة مغلقة، يعيشه اليمني منذ سنوات على طريق مقطوع إلى تعز. وما تعيشه شركة طيران أمام تحذير معلن، يعيشه البحّار في البحر الأحمر أمام قاعدة عبور تكتبها ميليشيا.

ولذلك فالحزم في وجه هذا التهديد ليس غاية في ذاته. إنه طريق إلى ما يقاس به النجاح فعلًا: مطار مفتوح للمعتمر، وطريق مفتوح لليمني، وراتب يُدفع، وميناء يجلب الغذاء، ومضيق لا تكتب قاعدته جماعة مسلحة. والأمن الذي لا يعيشه الناس في حياتهم اليومية لا يُعدّ أمنًا مكتملًا.

ما يُبنى قبل الأزمة القادمة

تُظهر هذه الأيام أن عودة الطيران تمر بطريقين متوازيين.

الطريق الأول داخلي: الإصلاح، والتحقق، والإشعار المؤرَّخ، والمعلومة الدقيقة. وقد قال وزير الإعلام إن "المعلومة الدقيقة جزء من حفظ الأمن".

والطريق الثاني خارجي: المعلومة نفسها تحتاج أن تصل في الوقت المناسب إلى الجهات التي تقيّم المخاطر في الخارج. فالجهة التنظيمية في أوروبا تكتب نشرتها بما يصلها من معلومات، وشركة التأمين تسعّر بما تعرف. وكلما وصلت المعلومة الفنية أسرع وأوضح، اقتربت المواعيد الأربعة بعضها من بعض.

ومن هنا تُطرح أسئلة تستحق النقاش في المنطقة:

كيف تُبنى قنوات منتظمة بين سلطات الطيران الخليجية وجهات تقييم المخاطر الدولية، تعمل قبل الأزمة لا بعدها؟

كيف يكون للمنطقة حضور في غرف تسعير مخاطر الحرب، التي تقرر كلفة كل رحلة؟

كيف يُطرح في منظمة الطيران المدني الدولي ملف التهديد المعلن للمطارات المدنية، بوصفه خطرًا على المنظومة كلها لا على بلد بعينه؟

ولهذه الأسئلة موعد قريب. فقمة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون تُعقد في المملكة في 24 تشرين الأول (أكتوبر). وهي مناسبة طبيعية لأن يُناقش أمن الطيران المدني بين من يملك المطارات ومن تصدر عنه أهم نشرات التحذير في العالم. فالطرفان يجمعهما الهدف نفسه: أن يصل المسافر سالمًا.

عودة إلى صالة المغادرة

موعد الدولة مكتوب، والمبنى سيعود. والجاهزية الوطنية أثبتت قدرتها مرة بعد مرة. لكن المعتمر الذي ينتظر رحلته في جاكرتا أو القاهرة أو لاهور لا يسأل عن المبنى. يسأل: هل تطير شركتي؟ وجواب هذا السؤال يُكتب في أكثر من عاصمة.

ولهذا فالرد الأبلغ على من يستهدف مسافرًا في طريقه إلى العمرة لا يقتصر على إصلاح ما تهدّم. الرد أن يجتمع العالم على أن سماء المسافرين ليست ساحة لأحد، وأن من يحاول أن يكتب قاعدتها بالصواريخ يقف خارج ما اتفقت عليه الدول منذ ثمانين عامًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.