: آخر تحديث
نموذجان في مدينة واحدة:

مشرطٌ يمنح الحياة وصاروخٌ يستهدفها

3
3
3

في عام 1945، قال ونستون تشرشل في مجلس العموم البريطاني ساخرًا إن عيب الرأسمالية هو اقتسام النعم بصورة غير متساوية، وإن فضيلة الاشتراكية هي اقتسام البؤس بالتساوي. واليوم أرى نموذجًا لا يبلغ حتى فضيلة هذه المساواة، تتبنّاه إيران وتصدّره إلى وكلائها، فيُغدق على الصاروخ ويُقتّر على الإنسان، ويقابله في الجوار نموذجٌ يجعل الإنسان غاية التنمية. وفي يومٍ واحد من تشرين الأول (أكتوبر)، رأيتُ النموذجين في مدينة واحدة.

في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) 2026، جاء من الرياض خبران: نجاح أطباء سعوديين في فصل التوأم المغربي سجى وضحى، واستهداف مطار الملك خالد وسقوط ضحايا بين المسافرين. وبعد يومين، تجدّد الهجوم الحوثي على المطار، مخلّفًا ثلاثة عشر قتيلًا وأكثر من ثلاثمئة جريح، جلهم معتمرون. خلف المشهدين سنواتٌ من البحث والتدريب وتطوير التقنية، أثمرت هنا جراحةً تفتح لطفلتين باب الحياة، وهناك، بخبرةٍ وصلت من طهران، سلاحًا يسلب معتمرين حياتهم. وتخيّلت أمًّا تنتظر خروج طفلتيها من غرفة العمليات، وأخرى تنتظر مسافرًا لن يعود.

ومن غرفة العمليات، انتقلتُ إلى طفلٍ في قرية يمنية: ماذا يصله من كلا النموذجين؟ يشير تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 إلى أسلحة وتدريب وتمويل يتلقّاها الحوثيون من إيران وحلفائها، وتوثّق تقارير أممية أخرى تجنيد الحوثيين للأطفال واستخدام مدارس لأغراض عسكرية. وفي المقابل، وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) 2026، اتفاقيةً لتوسيع الوصول إلى التعليم في الريف. وبين يدين يتحدّد مستقبل ذلك الطفل: يدٌ تقرّبه من مقعد الدراسة، وأخرى تأخذه إلى الجبهة. كم تبدو المسافة موجعة حين يقطع الصاروخ مئات الكيلومترات إلى الرياض، ويعجز الطفل عن بلوغ مدرسةٍ في أطراف قريته.

ولذلك الطفل أبٌ قد يكون رزقه في السعودية، التي أحصى تعدادها لعام 2022 قرابة مليوني مقيم يمني. وما يكسبه العامل فيها يمتدّ إلى أسرته في اليمن طعامًا ودواءً وتعليمًا. وفي الحادي عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2026، بالتزامن مع الاعتداءات الحوثية على مطاراتها، بدأت المملكة تصحيح أوضاع فئات من العمالة اليمنية، لتيسير انتقالها إلى أصحاب عمل واستمرار كسبها. أما الحوثي، فلا يكتفي بما ألحقه باليمن، يلاحق بسلاحه رخاء الجوار، ويعرّض للخطر مصدر دخل اليمني في غربته، والحوالة التي تنتظرها أسرته، والمستقبل الذي يبنيه لأطفاله. هكذا يعجز نموذجه عن إخراج الناس من الفقر، ثم يلاحقهم حيث وجدوا سبيلًا للخروج منه.

ثم عدتُ إلى خبر المعتمرين، وتوقّفت عند اسم نصر الله البدر، المفتي البنغلاديشي الذي جاء لأداء العمرة وقُتل قبل أن يبلغ مكة. كانت رحلته كما يحلم بها كل مشتاق إلى البيت الحرام: الوصول، ثم الطواف، ثم العودة إلى أهله بما يحمل من ماء زمزم ودعواتٍ لهم. هنا اتّخذ الفرق بين النموذجين اسمًا ووجهًا: ما تبنيه دولةٌ ليصل الإنسان آمنًا إلى قبلته وحرمه، يحاول صاروخٌ أن يحرمه منه في لحظة.

كأنّ عبد الملك الحوثي أراد أن يجمع في سجلّه ما توزّع بين أبرهة الحبشي وأبي طاهر القرمطي: قصد الأول هدم الكعبة في عام الفيل، وقتل الثاني الحجيج وانتهك حرمة البيت سنة 317هـ (930). أمّا الحوثي، فتتلاحق وقائعه في أسابيع: مسيّرة اعترضتها الدفاعات السعودية جنوب مكة في الخامس عشر من أيلول (سبتمبر) 2026، واعتداء على محطة الكهرباء المغذّية للمسجد النبوي في التاسع والعشرين منه، ثم هجوم على مطار الرياض في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) أُريقت فيه دماء معتمرين. أبرهة بفيله، والقرمطي بخيله، والحوثي بمسيّراته وصواريخه، تتغيّر أدوات الاعتداء، وتبقى وصمته ملتصقةً بمن أمر به وموّله ونفّذه، وبمن عرف حقيقته ثم أيّده وفاخر به.

وفي ذاكرة الناس يبقى مشهدان: مستشفى أعاد طفلتين إلى أمّهما، وصاروخ حرم أمًّا عودة ابنها. وبهذا تتّضح المفارقة بين نموذج المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين وولي عهده، ونموذج الوكيل وأسياده، بين عمارٍ يُشكر، وعارٍ يُذكر. ولليمن حقٌّ في مستقبلٍ يبنيه أبناؤه، لا تصوغه صواريخ من يحكمهم. ولو عاش تشرشل حتى اليوم، لأضاف إلى سخريته نموذجًا ثالثًا: نموذجًا يوزّع البؤس والفقر والجهل والتبعية أينما حلّ، ثم يحاول تصديرها بالصواريخ إلى الجيران.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.