الشعارات الورقية والحملات الإلكترونية لا تصنع قوة دولة، بل تصنع قوة صورة. وهناك فرق شاسع بين القوة الحقيقية والقوة الصورية؛ فالأولى تصنعها المؤسسات والقدرات والقرارات، والثانية تصنعها الشعارات والدعاية. وحين تأتي الأزمات، تسقط المسافات بين الصورة والحقيقة، وتنكشف أحجام الدول وحدود قوتها، ومدى قدرتها على تحويل ما تقوله عن نفسها إلى واقع يراه العالم.بوصفي صحافيًا عاصر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما أعقبها من تحديات واجهت المملكة، والحرب على الإرهاب، وحرب العراق، وغيرها من التحوّلات الإقليمية العاصفة، أدرك جيدًا أن الأزمات هي المقياس الحقيقي لقوة الدول وصلابتها. ففي الظروف الطبيعية تستطيع أي دولة أن تقدّم نفسها كما تشاء، لكن في لحظات الخطر لا تتحدث الشعارات، بل تتحدث المؤسسات، ولا تختبر الصورة، بل تختبر قدرة الدولة على الصمود والاستمرار.في السعودية، ورغم كل ما شهدته المنطقة من اضطرابات، لم تنحرف الحياة عن مسارها الطبيعي. ففي الوقت الذي كانت فيه الضربات الصاروخية تستهدف المملكة، كانت الرياض تحتضن المؤتمرات الدولية، والجماهير تملأ مدرجات ملاعب كرة القدم، والمشروعات تمضي، والاقتصاد يعمل، والحياة تتواصل بإيقاعها المعتاد. وهذه ليست مجرد صورة للاستقرار، بل تعبير عن قدرة دولة على إدارة الأزمات دون أن تسمح لها بتعطيل حاضرها أو مصادرة مستقبلها.هذه هي الحكاية السعودية؛ حكاية بلد استطاع بسط الاستقرار على مساحة جغرافية شاسعة تكاد تضاهي قارة، وفي محيط إقليمي تتزنر خاصرته بالحرائق، وتتلاعب النيران عند حدوده. ومع ذلك بقيت المملكة صامدة، تؤدي مسؤولياتها، وتعمل على تحويل المنطقة من ساحة مفتوحة للأزمات إلى فضاء للاستقرار والتنمية، ومن بيئة تستنزفها الصراعات إلى منطقة تتنافس فيها المشروعات والفرص.ولم يكن الاستقرار السعودي شأنًا داخليًا فحسب، بل امتد أثره إلى الجوار. فقد أسهمت المملكة في تشكيل حزام من الاستقرار حول شركائها الأقربين، واستفادت دول مجاورة من حدود آمنة، وشراكات اقتصادية، ومبادرات سياسية وتنموية. وفي المقابل، تحمّلت السعودية أعباء اضطرابات إقليمية متلاحقة، خصوصًا في اليمن والعراق، وما أفرزته من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.ومع ذلك، لم تتعامل المملكة مع أزمات جوارها باعتبارها فرصًا لتوسيع الفوضى، بل انطلقت مبادراتها من إدراك أن السلام مصلحة مشتركة، وأن استقرار الجار امتداد لاستقرار الوطن، وأن التنمية لا تزدهر فوق أنقاض الحروب.إن عظمة الدول لا تقاس بما تملكه من أدوات القوة وحدها، بل بكيفية استخدامها، وبقدرتها على حماية الداخل، وطمأنة المجتمع، وصيانة المصالح، ومواصلة البناء حين تتعثر المنطقة من حولها.ولهذا، فإن الدول الكبرى لا تصبح كبرى بكثرة ما تقوله عن نفسها، وإنما بما تفعله حين تضيق الخيارات، وتشتد المخاطر، وتتراجع قدرة الآخرين على الفعل. في الرخاء تتشابه صور الدول، أما في الأزمات فتظهر أحجامها الحقيقية، وهنا تحديدًا تُعرف الدول الكبرى.
الدول الكبرى كبرى... في الأزمات فقط!
مواضيع ذات صلة

